تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا مات أحدكم عرض عليه مقعد بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ".

إذن فموضع صعود عمل الإنسان في السماء يحزن لأن هناك فقدانا لعمل صالح يمر فيه، وموضع صلاة الإنسان يفقد سجود إنسان خشوعا لله، ولكل الكائنات المخلوقة لله مشاعر، وكل شيء في الكون يؤدي مهمته بقانون التسيير والتسخير لا قانون التخيير، الإنسان - فقط - هو الذي يحيا بقانون التخيير في بعض أحواله لأنه قادر على الطاعة، وقادر على المعصية. ولذلك فعندما نرى السجود لله في القرآن فإننا نسمع قول الحق:

ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء

[الحج: 18]. إذن فكل الكائنات تسجد له ما عدا كل أفراد الإنسان فكثير منه يسجد لله وكثير منه يحق عليه العذاب لأنه لا يطيع الحق. ومن يعص منهج الله غير مؤمن به يطرده الله من رحمته، ومن يهنه الله بذلك فليس له تكريم أبدا. وقد أجمع الكون على السجود لله، إلا الإنسان فمنه الصالح المنسجم بعمله مع خضوع الكون لله، ويفرح به الكون، ومنه يغضب منه الكون لأنه يعصي الله. إن اللغة العربية توضح لنا ذلك فالعرب يقولون: فلان نبت به الأرض من النبوة وهي الجفوة والبعد والإعراض.

. أي أن الأرض تكره شخصا بعينه لأنه لا انسجام للأرض مع كائن عاص. ويقول الحق عن الذين يصرف عنهم العذاب من فرط رحمته بعباده لأنهم أطاعوه وكانت معاصيهم تغلبهم في بعض الأحيان فيتوبون عنها:BR> ﴿ من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ﴾ [الأنعام: 16]. ونعلم أن هذا الفوز هو أرقى درجات الفوز ذلك أن الفوز درجات فالفوز في الدنيا كالنجاح أو المال أو غير ذلك هو فوز معرض لأن يضيع. وهو عرضة لأن يترك الإنسان أو يتركه الإنسان، لكن فوز الآخرة هو الفوز الدائم الذي لا ينتهي. وهذا هو الفارق بين نعم الدنيا ونعم الآخرة، والإنسان يتنعم في الدنيا على قدر تصوره للنعيم، فنجد الريفي - مثلا - يتصور النعيم أن تكون له مصطبة أمام داره يجلس عليها، وعدد من القلل التي تمتلئ بالماء النقي، فإذا ما انتقل هذا الريفي إلى المدينة فهو يتصور النعيم في منزل متسع فيه أثاث فاخر وأدوات كهربائية من ثلاجة وغير ذلك، إذن فإمكانات النعيم مختلفة على حسب تصور الإنسان، أما نعيم الآخرة فهو نعيم لا يفوته الإنسان ولا يفوت الإنسان لأنه نعيم من صنع الخالق الواسع والعطاء.. إن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولذلك فالفوز بنعيم الآخرة هو الفوز المبين. والحق سبحانه وتعالى هو المحيط بكل شيء علما واقتدارا: ﴿ وإن يمسسك الله بضر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٢٩