42.15
قوله تعالى: ﴿ وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم ﴾
تقدمت الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى
وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم
[البقرة: 136].
42.17
قوله تعالى: ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾.
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب في حال كونه متلبسا بالحق الذي هو ضد الباطل، وقوله: ﴿ الكتاب ﴾ اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية.
وقد أوضحنا في سورة الحج أن المفرد الذي هو اسم الجنس يطلق مرادا به الجمع، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك مع الشواهد العربية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ والميزان ﴾ يعني أن الله جل وعلا هو الذي أنزل الميزان، والمراد به العدل والإنصاف.
وقال بعض أهل العلم: الميزان في الآية: هو آلة الوزن المعروفة.
ومما يؤيد ذلك أن الميزان مفعال، والمفعال قياسي في اسم الآلة.
وعلى التفسير الأول وهو أن الميزان العدل والإنصاف، فالميزان الذي هو آلة الوزن المعروفة داخل فيه، لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإنصاف.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب والميزان أوضحه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الحديد
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط
[الحديد: 25].
فصرح تعالى بأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل والإنصاف. وكقوله تعالى في سورة الرحمن
والسمآء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان
[الرحمن: 7-9].
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف، كما قاله غير واحد من المفسرين.
وأن الميزان في سورة الرحمن هو الميزان المعروف أعني آلة الوزن التي يوزن بها بعض المبيعات.
ومما يدل على ذلك أنه في سورة الشورى وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان لا بوضعه، وقال في سورة الشورى
الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان
[الشورى: 17] وقال في الحديد:
وأنزلنا معهم الكتاب والميزان
[الحديد: 25].
وأما في سورة الرحمن فقد عبر بالوضع لا الإنزال، قال
والسمآء رفعها ووضع الميزان
[الرحمن: 7] ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة، وذلك في قوله:
وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان
[الرحمن: 9] لأن الميزان الذي نهوا عن إخساره هو أخو المكيال، كما قال تعالى
أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشيآءهم
[الشعراء: 181-183]. وقال تعالى
ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون
[المطففين: 1-3]. وقال تعالى عن نبيه شعيب:
ولا تنقصوا المكيال والميزان
[هود: 84] الآية. وقال تعالى عنه أيضا
قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان
[الأعراف: 85] الآية. وقال تعالى في سورة الأنعام:
وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها
[الأنعام: 152] وقال تعالى في سورة بني إسرائيل
وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا
[الإسراء: 35].
فإن قيل: قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد، هو العدل والإنصاف، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن المعروفة، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية، وعلى هذا الذي اخترتم يشكل الفرق بين الكتاب والميزان، لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف.
فالجواب من وجهين:
الأول منهما هو ما قدمنا مرارا من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلا للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى