تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.13

قوله تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ﴾.

قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى:

وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح

[الأحزاب: 7] الآية.

قوله تعالى: ﴿ ولا تتفرقوا فيه ﴾

الضمير في قوله فيه: راجع إلى الدين في قوله: أن أقيموا الدين.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين، جاء مبينا في غير هذا الموضع، وقد بين تعالى أنه وصى خلقه بذلك، فمن الآيات الدالة على ذلك، قوله تعالى

واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

[آل عمران: 103] الآية. وقوله تعالى:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون

[الأنعام: 153] وقد بين تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون هذا النهي، وعددهم على ذلك كقوله تعالى:

إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون

[الأنعام: 159] لأن قوله ﴿ لست منهم في شيء ﴾ إلى قوله ﴿ يفعلون ﴾ فيه تهديد عظيم لهم.

وقوله تعالى في سورة

قد أفلح المؤمنون

[المؤمنون: 1]

وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين

[المؤمنون: 52-54].

فقوله ﴿ وإن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ أي إن هذه شريعتكم شريعة واحدة ودينكم دين واحد، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين.

وقوله جل وعلا: ﴿ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ﴾ دليل على أنهم لم يجتنبوا ما نهوا عنه من ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ فذرهم في غمرتهم حتى حين ﴾ فيه تهديد لهم ووعيد عظيم على ذلك. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء:

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون

[الأنبياء: 92-93] فقوله تعالى: ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ فيه ايضا تهديد لهم ووعيد على ذلك وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى

إن هذه أمتكم أمة واحدة

[الأنبياء: 92] الآية.

وقد جاء في الحديث المشهور

" افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافتراق النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن الناجية منها واحدة، وهي التي كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ".

قوله تعالى: ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾.

بين جل وعلا أنه كبر على المشركين أي شق عليهم وعظم ما يدعوهم إليه صلى الله عليه وسلم من عبادة الله تعالى وحده، وطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولعظم ذلك ومشقته عليهم، كانوا يكرهون ما أنزل الله ويجتهدون في عدم سماعه لشدة كراهتهم له، بل يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم آيات ربهم لشدة بغضهم وكراهتهم لها.

والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة في كتاب الله، وفيها بيان أن ذلك هو عادة الكافرين مع جميع الرسل من عهد نوح إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم.

فقد بين تعالى مشقة ذلك على قوم نوح وكبره عليهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى:

واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت

[يونس: 71] الآية. وقوله تعالى عن نوح

وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا

[نوح: 7].

فقوله تعالى ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ﴾ يدل دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهتهم لما يدعوهم إليه نوح، فهو واضح في أنهم كبر عليهم ما يدعوهم إليه من توحيد الله والإيمان به.

وقد بين الله تعالى مثل ذلك في الكفار الذين كذبوا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم في آيات من كتابه كقوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٠٩