42.4
قوله تعالى: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾.
وصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة، بالعلو والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدمناه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى:
ثم استوى على العرش
[الأعراف: 54].
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين المتضمنتين لكل كمال وجلال، جاء مثله في آيات أخر كقوله تعالى:
ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم
[البقرة: 255] وقوله تعالى:
إن الله كان عليا كبيرا
[النساء: 34]. وقوله تعالى:
عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال
[الرعد: 9] وقوله تعالى:
وله الكبريآء في السماوات والأرض
[الجاثية: 37] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
42.5
قوله تعالى: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾.
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع والكسائي (تكاد) بالتاء الفوقية، لأن السماوات مؤنثة وقرأه نافع والكسائي (يكاد) بالياء التحتية لأن تأنيث السماوات غير حقيقي.
وقرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وشعبة عن عاصم (يتفطرن) بتاء مثناة فوقية مفتوحة بعد الياء وفتح الطاء المشددة مضارع. تفطر أي تشقق.
وقرأه أبو عمرو وشعبة عن عاصم (ينفطرن) بنون ساكنة بعد الياء وكسر الطاء، المخففة مضارع انفطرت كقوله:
إذا السمآء انفطرت
[الإنفطار: 1] أي انشقت.
وقوله: تكاد مضارع كاد، التي هي فعل مقاربة، ومعلوم أنها تعمل في المبتدأ والخبر معنى كونها فعل مقاربة، أنها تدل على قرب اتصاف المبتدأ والخبر.
وإذا، فمعنى الآية أن السماوات قاربت أن تتصف بالتفطر على القراءة الأولى، والانفطار على القراءة الثانية.
واعلم أن سبب مقاربة السماوات للتفطر، في هذه الآية الكريمة، فيه للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن.
الوجه الأول: أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفا من الله، وهيبة وإجلالا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى:
وهو العلي العظيم
[الشورى: 4] لأن علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإجلال، حتى كادت تتفطر.
وعلى هذا الوجه فقوله بعده: ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5] مناسبته لما قبله واضحة.
لأن المعنى: أن السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإجلال له، وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، مع إثباتهم له كل كمال وجلال، خوفا منه وهيبة وإجلالا، كما قال تعالى
ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته
[الرعد: 13] وقال تعالى
ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون
[النحل: 4950].
فهم لشدة خوفهم من الله، وإجلالهم له يسبحون بحمد ربهم، ويخافون على أهل الأرض، ولذا يستغفرون لهم خوفا عليهم من سخط الله، وعقابه، ويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
[الأحزاب: 72] إلى قوله:
وأشفقن منها
[الأحزاب: 72] لأن الإشفاق الخوف.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ يعني لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله، كما أوضحه تعالى بقوله:
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا
[غافر: 7].
فقوله: ﴿ للذين آمنوا ﴾ يوضح المراد من قوله: ﴿ لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5].
ويزيد ذلك إيضاحا قوله تعالى عنهم إنهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين
فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك
[غافر: 7] لأن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار.
الوجه الثاني: أن المعنى ﴿ تكاد السماوات يتفطرن ﴾ من شدة عظم الفرية التي افتراها الكفار على خالق السماوات والأرض جل وعلا، من كونه اتخذ ولدا، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وهذا الوجه جاء موضحا في سورة مريم، في قوله تعالى: