وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا
[الحج: 72] فقوله تعالى: ﴿ تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ﴾ الآية. يدل دلالة واضحة، على شدة بغضهم وكراهيتهم لسماع تلك الآيات.
وكقوله تعالى:
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه
[فصلت: 26] الآية. وقوله تعالى في الزخرف:
لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون
[الزخرف: 78]، وقوله تعالى في قد أفلح المؤمنون
أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون
[المؤمنون: 70] وقوله تعالى في القتال
ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعمالهم
[محمد صلى الله عليه وسلم: 9]، وقوله تعالى:
تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم
[الجاثية: 6-8] وقوله تعالى:
وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم
[لقمان: 7]، وقوله تعالى:
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب
[فصلت: 5] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة.
واعلم أن هؤلاء الذين يكرهون ما أنزل الله، يجب على كل مسلم أن يحذر كل الحذر من أن يطيعهم في بعض أمرهم، لأن ذلك يستلزم نتائج سيئة متناهية في السوء، كما أوضح تعالى ذلك في قوله:
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم
[محمد صلى الله عليه وسلم: 24-28] فعلى كل مسلم أن يحذر ثم يحذر ثم يحذر كل الحذر، من أن يقول للذين كفروا، الذين يكرهون ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، لأن ذلك يسبب له ما ذكره الله في الآيات المذكورة، ويكفيه زجرا وردعا عن ذلك قول ربه تعالى
فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم
[محمد صلى الله عليه وسلم: 27] إلى قوله
فأحبط أعمالهم
[محمد صلى الله عليه وسلم: 28].
قوله تعالى: ﴿ الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب ﴾.
الاجتباء في اللغة العربية معناه الاختيار والاصطفاء.
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أنه تعالى يجتبي من خلقه من يشاء اجتباءه.
وقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين أن منهم المؤمنين من هذه الأمة في قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير
[الحج: 77] إلى قوله:
هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج
[الحج: 78]. وقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32] الآية.
وبين في موضع آخر أن منهم آدم وهو قوله تعالى:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]. وذكر أن منهم إبراهيم في قوله:
إن إبراهيم كان أمة
[النحل: 120] إلى قوله
شاكرا لأنعمه اجتباه
[النحل: 121] الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اجتباء بعض الخلق بالتعيين.
وقوله تعالى: ﴿ ويهدي إليه من ينيب ﴾ أي من سبق في علمه أنه ينيب إلى الله أي يرجع إلى ما يرضيه، من الإيمان والطاعة، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الرعد
إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب
[الرعد: 27].