42.10
قوله تعالى: ﴿ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ﴾.
ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره، جاء موضحا في آيات كثيرة.
فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته قال في حكمه
ولا يشرك في حكمه أحدا
[الكهف: 26]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة ﴿ ولا تشرك في حكمه أحدا ﴾ بصيغة النهي.
وقال في الإشراك به في عبادته:
فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف: 110]، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله.
وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه.
وقد دل القرآن في آيات كثيرة، على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى
إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه
[يوسف: 40]، وقوله تعالى:
إن الحكم إلا لله عليه توكلت
[يوسف: 67] الآية. وقوله تعالى:
إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين
[الأنعام: 57] وقوله:
ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون
[المائدة: 44]، وقوله تعالى:
ولا يشرك في حكمه أحدا
[الكهف: 26]، وقوله تعالى:
كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون
[القصص: 88]، وقوله تعالى
له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون
[القصص: 70] والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد قدمنا إيضاحها في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى:
ولا يشرك في حكمه أحدا
[الكهف: 26].
وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهي كثيرة جدا، كقوله تعالى:
إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون
[النحل: 100]، وقوله تعالى:
وإن أطعتموهم إنكم لمشركون
[الأنعام: 121]، وقوله تعالى:
ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا الشيطان
[يس: 60] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، كما تقدم إيضاحه في الكهف.
مسألة
اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع.
سبحان الله وتعالى عن ذلك.
فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون، فليتبع تشريعهم.
وإن ظهر يقينا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية.
سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه.
فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: ﴿ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ﴾ ، ثم قال مبينا صفات من له الحكم ﴿ ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء عليم ﴾ [الشورى: 10-12].
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى:
ثمانية أزواج من الضأن اثنين
[الأنعام: 143] الآية، وأنه ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ وأنه ﴿ له مقاليد السماوات والأرض ﴾ وأنه هو الذي
يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر
[الشورى: 12] أي يضيقه على من يشاء وهو ﴿ بكل شيء عليم ﴾.