ويقول الذين كفروا لست مرسلا
[الرعد: 43].
والثاني: أن الإله المعبود جل وعلا واحد، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم:
أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب
[ص: 5].
والثالث: أن الله جل وعلا يبعث من يموت، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت
[النحل: 38] وقوله:
زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا
[التغابن: 7] وقوله تعالى:
وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة
[سبأ: 3].
أما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى:
بل الذين كفروا في عزة وشقاق
[ص: 2]، لأن الإضراب بقوله بل، دليل واضح على المقسم عليه المحذوف. أي ما الأمر كما يقوله الذين كفروا، بل الذين كفروا في عزة، أي في حمية وأنفة واستكبار عن الحق، وشقاق، أي مخالفة ومعاندة.
وأما دلالة استقراء القرآن على أن المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة المذكورة، فلدلالة آيات كثيرة: أما صحة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكون الإله المعبود واحدا لا شريك له فقد أشار لهما هنا.
أما كون الرسول مرسلا حقا ففي قوله تعالى هنا:
وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب
[ص: 4] يعني أي لا وجه للعجب المذكور. لأن يجيء المنذر الكائن منهم.
لا شك في أنه بإرسال من الله حقا.
وقولهم
هذا ساحر كذاب
[ص: 4] إنما ذكره تعالى إنكارا عليهم وتكذيبا لهم.
فعرف بذلك أن في ضمن المعنى والقرآن ذي الذكر إنك مرسل حقا ولو عجبوا من مجيئك منذرا لهم، وزعموا أنك ساحر كذاب، أي فهم الذين عجبوا من الحق الذي لا شك فيه، وزعموا أن خاتم الرسل، وأكرمهم على الله، ساحر كذاب.
وأما كون الإله المعبود واحدا لا شريك له، ففي قوله هنا:
أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب
[ص: 5]، لأن الهمزة في قوله: أجعل للإنكار المشتمل على معنى النفي، فهي تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله صلى الله عليه وسلم: إن الإله المعبود واحد.
وهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم، على أن الله أقسم على تكذيبهم فيها وإثباتها بالقسم صريحا كقوله تعالى مقسما على أن الرسول مرسل حقا
يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين
[يس: 13] فهي توضح معنى ص والقرآن ذي الذكر إنك لمن المرسلين.
وقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة كقوله تعالى
تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين
[البقرة: 252]، وأما كونه تعالى هو المعبود الحق لا شريك له، فقد أقسم تعالى عليه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى
والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد
[الصافات: 14] ونحو ذلك من الآيات فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذكر أي والقرآن ذي الذكر، إن إلهكم لواحد كما أشار إليه بقوله
أجعل الآلهة
[ص: 5] الآية.
وأما كون البعث حقا، فقد أقسم عليه إقساما صحيحا صريحا، في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى:
قل بلى وربي لتبعثن
[التغابن: 7]. وقوله تعالى:
قل بلى وربي لتأتينكم
[سبأ: 3] أي الساعة. وقوله:
قل إي وربي إنه لحق
[يونس: 53].
وأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان المذكوران، وهي كون الرسول مرسلا، والبعث حقا، وأشار إلى ذلك إشارة واضحة، وذلك في قوله تعالى
ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد
[ق: 13] فاتضح بذلك أن المعنى ق والقرآن المجيد، إن المنذر الكائن منكم الذي عجبتم من مجيئه لكم منذرا رسول منذر لكم من الله حقا، وإن البعث الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإنكار، والاستبعاد، في قوله تعالى عنكم
أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد
[ق: 3] أي ذلك الرجع الذي هو البعث.
رجع بعيد في زعمكم واقع لا محالة وإنه حق لا شك فيه، كما أشار له في قوله تعالى: