تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال بعض العلماء: إن ص مفتاح بعض أسماء الله تعالى كالصبور والصمد.

وقال بعضهم معناه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن الله، إلى غير ذلك من الأقوال.

وقد ذكرنا أنا قدمنا الكلام على ذلك مستوفى في أول سورة هود.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ والقرآن ذي الذكر ﴾ [ص: 1]، قد قدمنا أن أصل القرآن مصدر، زيد فيه الألف والنون. كما زيدتا في الطغيان، والرجحان، والكفران، والخسران، وأن هذا المصدر أريد به الوصف.

وأكثر أهل العلم، يقولون: إن هذا الوصف المعبر عنه بالمصدر هو اسم المفعول.

وعليه فالقرآن بمعنى المقروء من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته وأبرزته، ومنه قرأت الناقة السلا والجنين إذا أظهرته وأبرزته من بطنها، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته:

تريك إذا دخلت على خلاء

وقد أمنت عيون الكاشحينا

ذراعي عيطل أدماء بكر

هجان اللون لم تقرأ جنينا

على إحدى الروايتين في البيت.

ومعنى القرآن على هذا المقروء الذي يظهره القارئ، ويبرزه من فيه، بعباراته الواضحة.

وقال بعض أهل العلم: إن الوصف المعبر عنه بالمصدر، هو اسم الفاعل.

وعليه فالقرآن بمعنى القارئ وهو اسم فاعل قرأت، بمعنى جمعت.

ومنه قول العرب: قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه.

وعلى هذا فالقرآن بمعنى القارئ أي الجامع لأن الله جمع فيه جميع ما في الكتب المنزلة.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ ذي الذكر ﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء.

أحدهما: أن الذكر بمعنى الشرف، والعرب تقول فلان مذكور يعنون له ذكر أي شرف.

ومنه قول تعالى:

وإنه لذكر لك ولقومك

[الزخرف: 44] أي شرف لكم على أحد القولين.

الوجه الثاني: أن الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير، لأن القرآن العظيم فيه التذكير والمواعظ، وهذا قول الجمهور واختاره ابن جرير.

تنبيه

اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿ والقرآن ذي الذكر ﴾ ، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط.

فمنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله تعالى:

إن ذلك لحق تخاصم أهل النار

[ص: 64].

ومنهم من قال هو قوله:

إن هذا لرزقنا ما له من نفاد

[ص: 54].

ومنهم من قال هو قوله تعالى:

إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب

[ص: 14] كقوله

تالله إن كنا لفي ضلال مبين

[الشعراء: 97]. وقوله:

والسمآء والطارق ومآ أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ

[الطارق: 14].

ومنهم من قال هو قوله:

كم أهلكنا من قبلهم

[الأنعام: 6]، ومن قال هذا قال: إن الأصل لكم أهلكنا ولما طال الكلام، حذفت لام القسم، فقال: كم أهلكنا بدون لام.

قالوا: ونظير ذلك قوله تعالى:

والشمس وضحاها

[الشمس: 1] لما طال الكلام بين القسم والمقسم عليه، الذي هو قد أفلح من زكاها، حذفت منه لام القسم.

ومنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله: ص قالوا معنى ص صدق رسول الله والقرآن ذي الذكر. وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه صلى الله عليه وسلم.

ومنهم من قال المعنى: هذه ص أي السورة التي أعجزت العرب، ﴿ والقرآن ذي الذكر ﴾ إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها.

وقال بعض العلماء إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال الزمخشري في الكشاف، التقدير ﴿ والقرآن ذي الذكر ﴾ إنه لمعجز، وقدره ابن عطية وغيره فقال: ﴿ والقرآن ذي الذكر ﴾ ما الأمر كما يقوله الكفار، إلى غير ذلك من الأقوال.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن جواب القسم محذوف وأن تقديره ﴿ والقرآن ذي الذكر ﴾ ما الأمر كما يقوله الكفار، وأن قولهم المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة.

الأول: منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقا وأن الأمر ليس كما يقول الكفار في قوله تعالى عنهم:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨٢١