تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أنه على قراءة الكسائي قد حذف في الخط ألفان، الأولى: الألف المتصلة بياء النداء، والثانية: ألف الوصل في قوله: اسجدوا، ووجه بعض أهل العلم إسقاطهما في الخط، بأنهما لما سقطتا في اللفظ، سقطتا في الكتابة قالوا ومثل ذلك في القرآن كثير.

واعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ألا للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر قالوا، وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل:

ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر

وإن كان حيانا عدى آخر الدهر

وقول ذي الرمة:

ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا

ولا زال منهلا بجر عائك القطر

فقوله في البيتين ألا اسلمي: أي يا هذه اسلمي، وقول الآخر:

ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد

وقول الشماخ:

ألا يا صحبي أصبحاني قبل غارة سنجالي

وقبل منايا قد حضرن وآجالي

يعني ألا يا صحبي أصبحاني، ونظيره قول الآخر:

ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر

ومنه قول الآخر:

فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة

فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي

يعني ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته قول الشاعر:

يا لعنة الله والأقوام كلهم

والصالحين على سمعان من جار

بضم التاء من قوله: لعنة الله، ثم قال فيالغير اللعنة يعني أن المراد: يا قوم لعنة الله إلى آخره، وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهدا لقراءة الكسائي المذكورة قول الشاعر:

يا قاتل صبيانا تجيء بهم

أم الهنينين من زند لها واري

ثم قال كأنه أراد قوم قاتل الله صبيانا، وقول الآخر:

يا من رأى بارقا أكفكفه

بين ذراعي وجبهة الأسد

ثم قال كأنه دعا يا قوم يا إخواتي، فلما أقبلوا عليه قال من رأى، وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته قول عنترة في معلقته:

يا شاة ما قنص لمن حلت له

حرمت على وليتها لم تحرم

قالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص.

واعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا ويا: حرف تنبيه كرر للتوكيد، وممن روى عنه هذا القول أبو الحسن بن عصفور، وهذا القول اختاره أبو حيان في البحر المحيط، قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب، ليست: يا فيه للنداء، وحذف المنادى، لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلقة، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالا كبيرا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلا على العامل فيه جملة النداء وليس حرف النداء حرف جواب كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهن لدلالة ما سبق من السؤال، على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد، وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله: فأصبحن لا يسألنني عن بما يه: والمتفقي اللفظ العاملين في قوله:

ولا للما بهم أبدا دواء

وجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلا فاجتماع غير العالمين، وهما مختلفا اللفظ يكون جائزا، وليس يا في قوله:

يا لعنة الله والأقوام كلهم

حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما له وجه من النظر عندي في قراءة، الكسائي، أن يكون قوله: يا اسجدوا فعل مضارع حذفت منه نون الرفع، بلا ناصب، ولا جازم، ولا نون توكيد، ولا نون وقاية.

وقد قال بعض أهل العلم: إن حذفها لا لموجب مما ذكر لغة صحيحة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٦٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٦٧٣