تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27.77

قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى:

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب

[الكهف: 1] الآية.

27.80

اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن، أن معنى قوله هنا: إنك لا تسمع الموتى لا يصح فيه من أقوال العلماء، إلا تفسيران:

الأول: أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى: أي لا تسمع الكفار، الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع، لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع: ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه جل وعلا قال بعده:

إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون

[النمل: 81].

فاتضح بهذه القرينة أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى: اي الكفار هم أشقياء في علم الله إسماع هدى وقبول للحق ما تسمع ذلك الإسماع، إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون، فمقابلته جل وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها، لمن يؤمن بآياته، فهو مسلم دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية: موت الكفر والشقاء لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله: إنك لا تسمع الموتى بقوله: إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، بل لقابله بما يناسبه كأن يقال: إن تسمع إلا من لم يمت: أي يفارق روحه بدنه كما هو واضح.

وإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المراد بالموتى هنا الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول.

فاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى:

إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون

[الأنعام: 36]، وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم أن المراد بالموتى في قوله: والموتى يبعثهم الله: الكفار، يدل له مقابلة الموتى في قوله: والموتى يبعثهم الله بالذين يسمعون في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ ويوضح ذلك قوله تعالى قبله:

وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية

[الأنعام: 35] أي فافعل، ثم قال:

ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين إنما يستجيب الذين يسمعون

[الأنعام: 3536] الآية، وهذا واضح فيما ذكرنا، ولو كان يراد بالموتى من فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم كأن يقال: إنما يستجيب الأحياء: أي الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم. وكقوله تعالى:

أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون

[الأنعام: 122].

فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: أو من كان ميتا: أي كافرا، فأحييناه: أي بالإيمان والهدى.

وهذا لا نزاع فيه، وفيه إطلاق الموت، وإرادة الكفر بلا خلاف. وكقوله:

لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين

[يس: 70] وكقوله تعالى:

وما يستوي الأحيآء ولا الأموات

[فاطر: 22] أي لا يستوي المؤمنون والكافرون.

ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن قوله تعالى: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ الآية. وما في معناها من الآيات كلها، تسلية له صلى الله عليه وسلم، لأنه يحزنه عدم إيمانهم كما بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله تعالى:

قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون

[الأنعام: 33] الآية. وقوله تعالى:

ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون

[الحجر: 97] الآية. وقوله:

ولا تحزن عليهم

[الحجر: 88] الآية. وقوله تعالى:

فلا تأس على القوم الكافرين

[المائدة: 68]، وكقوله تعالى:

فلا تذهب نفسك عليهم حسرات

[فاطر: 8] الآية. وقوله تعالى:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٦٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٦٨١