تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك

[الأعراف: 12] إلى أنا أوضحنا الكلام على زيادة لا لتوكيد الكلام في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في أول سورة البلد في الكلام، على قوله تعالى:

لا أقسم بهذا البلد

[البلد: 1] وسنذكر طرفا من كلامنا فيه هنا.

فقد قلنا فيه: الأول وعليه الجمهور. أن لا هنا صلة على عادة العرب فإنها ربما لفظت بلفظة لا، من غير قصد معناها الأصلي بل لمجرد تقوية الكلام، وتوكيده كقوله تعالى:

ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن

[طه: 92] يعني أن تتبعني، وقوله تعالى:

ما منعك أن تسجد

[ص: 75] أي أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله تعالى في سورة ص

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي

[ص: 75] وقوله تعالى:

لئلا يعلم أهل الكتاب

[الحديد: 29] وقوله تعالى:

فلا وربك لا يؤمنون

[النساء: 65] الآية أي فوربك، وقوله تعالى:

ولا تستوي الحسنة ولا السيئة

[فصلت: 34] أي والسيئة، وقوله تعالى:

وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون

[الأنبياء: 95] على أحد القولين، وقوله تعالى:

وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون

[الأنعام: 109] على أحد القولين، وقوله تعالى:

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا

[الأنعام: 151] الآية. على أحد الأقوال الماضية، وكقول أبي النجم:

فما ألوم البيض ألا تسخرا

لما رأين الشمط القفندرا

يعني أن تسخر، وقول الآخر:

وتلحينني في اللهو ألا أحبه

وللهو داع دائب غير سافل

يعني أن أحبهن ولا زائدة، وقول الآخر:

أبي جوده لا البخل واستعجلت به

نعم من فتى لا يمفع الجود قاتله

يعني أبا جوده البخل، ولا زائدة على خلاف في زيادتها في هذا البيت الأخير، ولا سيما على رواية البخل بالجر، لأن لا عليها مضاف بمعنى لفظة لا، فليست زائدة على رواية الجر وقول امرئ القيس:

فلا وأبيك أنبت العامري

لا يدعي القوم أني أفر

يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر:

ما كان يرضى رسول الله دينهم

والأطيبان أبو بكر ولا عمر

يعني وعمر ولا صلة، وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج:

في بئر لا حور سرى وما شعر

بإفكه حتى رأى الصبح جشر

والحور الهلكة يعني في بئر هلكة ولا صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي:

أفعنك لا برق كان وميضه

غاب تسنمه ضرام مثقب

ويروى أفمنك وتشيمه بدل أفعنك وتسنمه، يعني أفعنك برق، ولا صلة، ومن شواهد زيادتها قول الشاعر:

تذكرت ليلى فاعترتني صبابة

وكاد صميم القلب لا يتقطع

يعني كاد يتقطع، وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ:

أعائش ما لقومك لا أراهم

يضيعون الهجان مع المضيع

فغلط منه، لأن لا في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة، ومقصوده أنها تنهاه عن حفظ ماله، مع أن أهلها يحفظون مالهم، أي لا أرى قومك يضيعون مالهم وأنت تعاتبينني في حفظ مالي، وما ذكره الفراء من أن لفظة لا لا تكون صلة إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبي لا يصح على الإطلاق، بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية، على القول بأن لا فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي، وما ذكره الزمخشري من زيادة لا في أول الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. انتهى محل الغرض من كتابنا: [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].

وقرأ هذا الحرف الكسائي وحده من السبعة: ألا يسجدوا بتخفيف اللام من قوله ألا، وعلى قراءة الكسائي هذه، فلفظة ألا حرف استفتاح، وتنبيه ويا حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، واسجدوا فعل أمر ومعلوم في علم القراءات، أنك إذا قيل لك: قف على كل كلمة بانفرادها في قراءة الكسائي أنك تقف في قوله: ألا يسجدوا ثلاث وقفات الأولى: أن تقف على ألا. والثانية: أن تقف على يا، والثالثة: أن تقف على اسجدوا، وهذا الوقف وقف اختبار لا وقف اختيار وأما على قراءة الجمهور، فإنك تقف وقفتين فقط. الأولى: على ألا، ولا تقف على أن لأنها مدغمة في لا، والثانية: أنك تقف على يسجدوا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٦٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٦٧٢