تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحا وكفر الله عن سيئاته بتلك التوبة النصوح، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك؛ أن توبته الأولى الواقعة على الوجه المطلوب، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب، بل تجب عليه التوبة من جديد لذنبه الجديد خلافا لمن قال: إن عوده للذنب نقض لتوبته الأولى.

الثاني: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلا بالندم على فعل الذنب، والإقلاع عنه، إن كان متلبسا به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف.

وإيضاحه في الأول الذي هو الندم، أن الندم ليس فعلا، وإنما هو انفعال، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الله لا يكلف أحدا إلا بفعل يقع باختيار المكلف، ولا يكلف أحدا بشيء إلا شيئا هو في طاقته كما قال تعالى:

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

[البقرة: 286] وقال تعالى:

فاتقوا الله ما استطعتم

[التغابن: 16]

وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلا تحت قدرة العبد، فليس بفعل أصلا، وليس في وسع المكلف فعله، والتكليف لا يقع بغير الفعل، ولا يطاق كما بينا. قال في مراقي السعود:

ولا يكلف بغير الفعل

باعث الأنبيا ورب الفضل

وقال أيضا:

والعلم والوسع على المعروف

شرط يعم كل ذي تكليف

واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه.

أما وقوعه بالفعل فهم مجمعون على منعه كما دلت عليه آيات القرآن، والأحاديث النبوية، وبعض الأصوليين يعبر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلا أو لا؟ أما وقوع التكليف بالمحال عقلا، أو عادة، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه أزلا، ومثال المستحيل عقلا أن يكلف بالجمع، بين الضدين كالبياض، والسواد أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعا.

وأما المستحيل لأجل علم الله في الأزل بأنه لا يقع فهو جائز عقلا، ولا خلاف في التكليف به فإيمان أبي لهب مثلا كان الله عالما في الأزل، بأنه لا يقع كما قال الله تعالى عنه

سيصلى نارا ذات لهب

[المسد: 3] فوقوعه محال عقلا لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد، لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلا، وذلك مستحيل في حقه تعالى. ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلا، إذ لا يمنع العقل إيمان أبي لهب، ولو كان مستحيلا لما كلفه الله بالإيمان، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فالإيمان عام، والدعوة عامة والتوفيق خاص.

وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام:

الأول: الواجب عقلا.

الثاني: المستحيل عقلا.

الثالث: الجائز عقلا، وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة، أن الشيء من حيث هو شيء، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال. وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال. وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معا. فإن كان العقل يقبل وجوده، دون عدمه فهو الواجب عقلا، وذلك كوجود الله تعالى متصفا بصفات الكمال والجلال. فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله ولو عرض عليه عدمه، وأنها خلقت بلا خالق، لم يقبله، فهو واجب عقلا.

وأما إن كان يقبل عدمه، دون وجوده، فهو المستحيل عقلا، كشريك الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك لله في ملكه، وعبادته لقبله، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال، كما قال تعالى:

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا

[الأنبياء: 22] وقال:

إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٧٤