تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معناه: فقولا له قولا لينا رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى.

والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أن كل لعل في القرآن للتعليل، إلا التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى:

وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون

[الشعراء: 129] قالوا فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر:

فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا

نكف ووثقتم لنا كل موثق

أي كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم.

وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون، لأجل أن تفلحوا أي تنالوا الفلاح، والفلاح في اللغة العربية: يطلق على معنيين:

الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد:

فاعقلي إن كنت لما تعقلي

ولقد أفلح من كان عقل

أي فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل.

المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن قريع، وقيل كعب بن زهير:

لكل هم من الهموم سعه

والمسى والصبح لا فلاح معه

يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه. وقول لبيد بن ربيعة أيضا:

لو أن حيا مدرك الفلاح

لناله ملاعب الرماح

يعني لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمه عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ويذم أخاه الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور:

فررت وأسلمت ابن امك عامرا

يلاعب أطراف الوشيج المزعزع

وبكل من المعنيين اللذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان والإقامة: حي على الفلاح كما هو معروف.

ومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضى الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جل وعلا، لجميع المسلمين بالتوبة مشيرا إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ [النور: 31] أوضحه في غير هذا الموضع، وبين أن التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفر بها السيئات، أنها التوبة النصوح، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا سيما عند من يقول من أهل العلم: إن عسى من الله واجبة، وله وجه من النظر، لأنه عز وجل جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجرده وكرمه تعالى، وسعة رحمته يجعل ذلك الإنسان الذي أطعمه ربه في ذلك الفضل يثق، بأنه ما أطعمه فيه، إلا ليتفضل به عليه.

ومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار

[التحريم: 8] فقوله في آية التحريم هذه ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ كقوله في آية النور: ﴿ أيها المؤمنون ﴾ [النور: 31]. وقوله في آية التحريم:

عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار

[التحريم: 8] كقوله في آية النور ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ [النور: 31] لأن من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه، وقوله في آية التحريم:

توبوا إلى الله توبة نصوحا

[التحريم: 8] موضح لقوله في النور ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا ﴾ [النور: 31] ونداؤه لهم بوصف الإيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحث على امتثال الأمر، لأن الاتصاف بصفة الإيمان بمعناه الصحيح، يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والرجاء المفهوم من لفظه عسى في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى.

تنبيهات

الأول: التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة.

وحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبسا به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جل وعلا، وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٧٣