24.8
قوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: ﴿ ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله ﴾ الآية، معنى: يدرأ: يدفع، والمراد بالعذاب هنا: الحد، والمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: أن تشهد فاعل يدرأ: أي يدفع عنها الحد شهادتها أربع شهادات الآية.
والدليل على أن المراد بالعذاب في قوله: ﴿ ويدرؤا عنها العذاب ﴾ ، الحد من أوجه:
الأول: فيها سياق الآية، فهو يدل على أن العذاب تدرؤه عنها شهاداتها هو الحد.
والثاني: انه أطلق اسم العذاب في مواضع أخر، على الحد مع دلالة السياق فيها على أن المراد بالعذاب فيها الحد كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة:
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور: 2]، فقوله: ﴿ وليشهد عذابهما ﴾ ، أي حدهما بلا نزاع. وكذلك قوله تعالى في الإماء:
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب
[النسا: 25] أي نصف ما على الحرائر من الجلد.
وهذه الآية: تدل على أن الزوج إذا رمى زوجته وشهد شهاداته الخمس المبينة في الآية أن المرأة يتوجه عليها الحد بشهاداته، وأن ذلك الحد المتوجه إليها بشهادات الزوج تدفعه عنها شهاداتها هي الموضحة في الآية.
ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، فشهادات الزوج القاذف تدرأ عنه هو حد القذف، وتوجه إليها هي حد الزنى، وتدفعه عنها شهاداتها.
وظاهر القرآن أيضا أنه لو قذف زوجته وامتنع من اللعان أنه يحد حد القذف فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد، وهذا هو الظاهر من الآيات القرآنية، لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى:
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة
[النور: 4]، ولكن الله بين خروج الزوج من هذا العموم بشهاداته حيث قال
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين
[النور: 67] فلم يجعل مخرجا من جلد ثمانين، وعدم قبول الشهادة، والحكم بالفسق إلا بشهاداته التي قامت له مقام البينة المبرئة له من الحد. فإن نكل عن شهاداته فالظاهر وجوب الحد عليه، لأنه لم تدرأ عنه أربعة عدول يشهدون بصدقه، ولا شهادات تنوب عن الشهود. فتعين أنه يحد لأنه قاذف، ولم يأت بما يدفع عنه حد القذف، وكذلك الزوجة إذا نكلت عن أيمانها فعليها الحد، لأن الله نص على أن الذي يدرأ عنها الحد هو شهاداتها في قوله تعالى: ﴿ ويدرؤا عنها العذاب ﴾ [8] الآية، وممن قال إن الزوج يلزمه الحد إن نكل عن الشهادات الأئمة الثلاثة، خلافا لأبي حنيفة القائل بأنه يحبس، حتى يلاعن، أو يكذب نفسه، فيقام عليه حد القذف، وممن قال بأنها إن شهد هو، ونكلت هي أنها تحد بشهاداته ونكولها: مالك والشافعي والشعبي، ومكحول، وأبو عبيد، وأبو ثور.
كما نقله عنهم صاحب المغني.
وهذا القول أصوب عندنا، لأنه ظاهر قوله: ﴿ ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله ﴾ الآية. ولا ينبغي العدول عن ظاهر القرآن إلا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا حد عليها بنكولها عن الشهادات، وتحبس أيضا حتى تلاعن أو تقر فيقام عليها الحد.
قال في المغني: وبهذا قال الحسن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن الحارث العكلي، وعطاء الخراساني، واحتج أهل هذا القول بحجج يرجع جميعها إلى أن المانع من حدها أن زناها لم يتحقق ثبوته، لأن شهادات الزوج ونكولها هي لا يتحقق بواحد منهما ولا بهما مجتمعين بثوت الزنى عليها.