وأظهر الأقوال عندنا: أن الأمة غير المحصنة تجلد خمسين، وألحق أكثر أهل العلم العبد بالأمة.
والأظهر عندنا: أنه يجلد خمسين مطلقا أحصن أم لا. وقد تركنا الأقوال المخالفة لما ذكرنا لعدم اتجاهها عندنا مع أنا أوضحناها في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى
فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة
[النساء: 25] الآية ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الزنى المتعلقة بهذه الآية التي نحن بصددها.
وعادتنا أن الآية إن كان يتعلق بها باب من أبواب الفقه أنا نذكر عيون مسائل ذلك الباب، والمهم منه
وتبيين أقوال أهل العلم في ذلك ونناقشها، ولا نستقصي جميع ما في الباب، لأن استقصاء ذلك في كتب فروع المذاهب كما هو معلوم، والعلم عند الله تعالى.
24.3
قد قدمنا مرارا من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب أمثلة كثيرة لذلك، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك: أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى، وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح. قالوا فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية كعكسه، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا الوطء في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية، لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة لقوله تعالى
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221] وقوله تعالى
لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن
[الممتحنة: 10] وقوله تعالى
ولا تمسكوا بعصم الكوافر
[الممتحنة: 10]، وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك لقوله تعالى:
ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا
[البقرة: 221] فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال. وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء؛ الذي هو الزنى؛ لا عقد النكاح، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة، والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك، منسوخ ظاهر السقوط، لأن سورة النور مدنية؛ ولا دليل على أن ذلك أحل بالمدينة، ثم نسخ. والنسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه.
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة
اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية؛ ونكاح العفيفة الزاني، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه؛ ومن وافقهم؛ واحتج أهل هذا القول بأدلة:
منها: عموم قوله تعالى
وأحل لكم ما وراء ذلكم
[النساء: 24] وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة وعموم قوله تعالى
وأنكحوا الأيامى منكم
[النور: 32] الآية؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضا والعفيفة.
ومن أدلتهم على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما
" أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس: قال:غربها. قال أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: فاستمتع بها "
؛ قال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا: رواه أبو داود، والترمذي، والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي من وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ قال " طلقها، قال لا أصبر عنها قال: فامسكها " اه من بلوغ المرام، وفيه تصريح ابن حجر بأن رجاله ثقات، وبه تعلم أن ذكر ابن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات فيه نظر؛ وقد ذكره في الموضوعات مرسلا عن أبي الزبير قال: " أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ".
الحديث؛ ورواه أيضا مرسلا عن عبيد بن عمير، وحسان بن عطية كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: وقد حمله أبو بكر الخلال على الفجور؛ ولا يجوز هذا؛ وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث.