24.34
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل إلينا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم آيات مبينات. ويدخل فيها دخولا أوليا الآيات التي بينت في هذه السورة الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى:
سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ آيات بينات لعلكم تذكرون
[النور: 1] ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة، داخلة في قوله تعالى هنا: ﴿ ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ﴾ الآية.
وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: ﴿ ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ﴾ معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون: أي تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ، ويدل لذلك قوله تعالى:
وأنزلنا فيهآ آيات بينات لعلكم تذكرون
[النور: 1] فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها، أن يتذكر الناس، ويتعظوا بما فيها، ويدل لذلك عموم قوله تعالى:
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب
[ص: 29] وقوله تعالى:
المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين
[الأعراف: 29] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ﴾ معطوف على آيات: أي أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم.
قال أبو حيان في البحر المحيط: ومثلا معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون المعنى ومثلا من أمثال الذين من قبلكم: أي قصة غريبة من قصصهم كقصة يوسف، ومريم في براءتهما.
وقال الزمخشري: ومثلا من أمثال من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف، ومريم يعني قصة عائشة رضي الله عنها، وما ذكرنا عن أبي حيان والزمخشري ذكره غيرهما.
وإيضاحه: أن المعنى: وأنزلنا إليكم مثلا أي قصة عجيبة غريبة في هذه السورة الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم: أي من جنس قصصهم العجيبة، وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي أنزلها إلينا، وعبر عنها بقوله: ومثلا هي براءة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أهل الإفك، وذلك مذكور في قوله تعالى:
إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم
[النور: 11] إلى قوله تعالى:
أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم
[النور: 26] الآية. فقد بين في الآيات العشر المشار إليها أن أهل الإفك رموا عائشة، وأن الله برأها في كتابه مما رموها به، وعلى هذا:
فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز يوسف بأنه أراد بها سوءا تعني الفاحشة قالت:
ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم
[يوسف: 25] وقوله تعالى:
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين
[يوسف: 35] لأنهم سجنوه بضع سنين، بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة العزيز، وقد برأه الله من تلك الفرية التي افتريت عليه بإقرار النسوة وامرأة العزيز نفسها وذلك في قوله تعالى:
فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين
[يوسف: 5051] وقال تعالى عن امرأة العزيز في كلامها مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم
[يوسف: 32] الآية.
فقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا، لأنه رمي بإرادة الفاحشة وبرأه الله من ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف، لأنه هو وعائشة كلاهما رمي بما لا يليق، وكلاهما برأه الله تعالى، وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة كما تقدم قريبا وبشهادة الشاهد من أهلها.