لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 268] إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبا.
وقال أبو هاشم، وهو من أكابر المعتزلة كابنه أبي علي الجبائي: إن التائب الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام، لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك الغير بغير إذن، كالمكث، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه إذ لا إقلاع إلا حينئذ، والإقلاع ترك المنهي عنه، فالخروج عنده قبيح. لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو مناف للإقلاع، فهو منهي عنه، مع أن الخروج المذكور مأمور به عنده أيضا، لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة، وهذا بناه على أصله الفاسد، وهو القبح العقلي، لكنه أخل بأصل له آخر، وهو منع التكليف بالمحال فإنه قال: إن خرج عصى، وإن مكث عصى، فقد حرم عليه الضدين كليهما. اه. قاله في نشر البنود.
وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرا على مذهب الجمهور بقوله:
من تاب بعد أن تعاطى السببا
فقد أتى بما عليه وجبا
وإن بقي فساده كمن رجع
عن بث بدعة عليها يتبع
أو تاب خارجا مكان الغصب
أو تاب بعد الرمي قبل الضرب
24.32
قوله تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله ﴾
الإنكاح هنا معناه: التزويج: ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ أي زوجوهم، والأيامى: جمع أيم بفتح الهمزة، وتشديد الياء المسكورة، والأيم: هو من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء كان قد تزوج قبل ذلك، أو لم يتزوج قط يقال: رجل أيم: وامرأة أيم. وقد فسر الشماخ بن ضرار في شعره: الأيم الأنثى بأنها التي تتزوج في حالتها الراهنة، وذلك في قوله:
يقر بعيني أن أنبأ أنها
وإن لم أنلها أيم لم تزوج
فقوله: لم تزوج تفسير لقوله: أنها أيم. ومن إطلاق الأيم على الذكر لا زوج له قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
لله در بني علي منهم وناكح
ومن إطلاقه على الأنثى قول الشاعر:
أحب الأيامى إذ بثينة أيم
وأحببت لما أن غنيت الغوانيا
والعرب تقول: آم الرجل يئيم، وآمت المرأة تئيم إذا صار الواحد منهما أيما. وكذلك تقول: تأيم إذا كان أيما.
ومثاله في الأول قول الشاعر:
لقد إمت حتى لامني كل صاحب
رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت
ومن الثاني قوله:
فإن تنكحي أنكح وأن تتأيمي
وإن كنت منكم أتأيم
ومن الأفضل قول يزيد بن الحكم الثقفي:
كل امرئ ستئيم منه
العرس أو منها يئيم
وقول الآخر:
نجوت بقوف نفسك غير أني
إخال بأن سييتم أو تئيم
يعني: ييتم ابنك وتئيم امرأتك.
فإذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ شامل للذكور والإناث. وقوله في هذه الآية ﴿ منكم ﴾ أي من المسلمين، ويفهم من دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله: منكم، أن الأيامى من غيركم، أي من غير المسلمين، وهم الكفار ليسوا كذلك.
وهذا المفهوم الذي فهم من هذه الآية جاء مصرحا به في آيات أخر كقوله تعالى في أيامى الكفار الذكور:
ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا
[البقرة: 221] وقوله في أياماهم الإناث:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221]، وقوله فيهما جميعا:
فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن
[الممتحنة: 10].
وبهذه النصوص القرآنية الصريحة الموضحة لمفهوم هذه الآية، تعلم أنه لا يجوز تزويج المسلمة للكافر مطلقا وأنه لا يجوز تزويج المسلم للكافرة إلا أن عموم هذه الآيات خصصته آية المائدة، فأبانت أن المسلم يجوز له تزوج المحصنة الكتابية خاصة، وذلك في قوله تعالى:
وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
[المائدة: 5] فقوله تعالى، عاطفا على ما يحل للمسلمين:
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
[المائدة: 5] صريح في إباحة تزوج المسلم للمحصنة الكتابية، والظاهرة أنها الحرة العفيفة.