تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[المؤمنون: 91] فهو مستحيل عقلا. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معا، فهو الجائز العقلي، ويقال له الجائز الذاتي، وذلك كإيمان أبي لهب، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله، ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضا، كما لا يخفى، فهو جائز عقلا جوازا ذاتيا، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي.

وقالت جماعات من أهل الأهواء: إن الحكم العقلي: قسمان فقط، وهما الواجب عقلا، والمستحيل عقلا، قالوا والجائز عقلا لا وجود له أصلا، وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر، إما أن يكون الله عالما في أزله، بأنه سيوجد فهو واجب الوجود لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده، فإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلا لعلم الله بأنه سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وذلك محال. وإما أن يكون الله عالما في أزله، بأنه لا يوجد، كإيمان أبي لهب، فهو مستحيل عقلا، إذ لو وجد لانقلب العلم جهلا، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وهذا القول لا يخفى بطلانه، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه، فكلاهما جائز إلا أن الله تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده.

والحاصل: أن المستحيل لغير علم الله السابق بعدم وجوده، لأنه مستحيل استحالة ذاتية كالجمع بين النقيضين لا يقع التكليف به إجماعا، وكذلك المستحيل عادة كما لا يخفى.

أما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز، وواقع إجماعا كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلا، وإن استحال من جهة علم الله بعدم وقوعه، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلا عرضيا ونحن ننزه صفة علم الله عن أن نقول إن الاستحالة بسببها عرضية.

فإذا علمت هذا فاعلم أن علماء الأصول وجميع أهل العلم، مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي، كإيمان أبي لهب، وإن كان وقوعه مستحيلا لعلم الله بأنه لا يقع.

أما المستحيل عقلا لذاته كالجمع بين النقيضين والمستحيل عادة كمشي المقعد، وطيران الإنسان بغير آلة، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما كما قال تعالى:

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

[البقرة: 286] وقال تعالى:

فاتقوا الله ما استطعتم

[التغابن: 16] وقال صلى الله عليه وسلم:

" إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ".

وأما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلا، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز عقلا مع إجماعهم على أنه لا يصح وقوعه بالفعل. وحجة من يمنعه عقلا أنه عبث لا فائدة فيه، لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزا محققا عبث لا فائدة فيه، قالوا فهو مستحيل، لأن الله حكيم خبير، وحجة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف، هل يتأسف على عدم القدرة، ويظهر أنه لو كان قادرا لا مثل، والامتحان سبب من أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، وبين أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي اختباره هل يمتثل فلما شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم كما قال تعالى عنه:

فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم

[الصافات: 103107].

وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلا، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله:

وجوز التكليف بالمحال

في الكل من ثلاثة الأحوال

وقيل بالمنع لما قد امتنع

لغير علم الله أن ليس يقع

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٧٥