تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السماط عدس أسود، ثم بعده عدس مصفى إلى آخر السماط، ثم رفع وقدمت صحون

جميعها عسل نحل، ولما كان يوم عاشوراء من سنة ست عشرة وخمسمائة جلس

الخليفة الآمر بأحكام الله على باب الباذهنج - يعني من القصر - بعد قتل الأفضل،

وعود الأسمطة إلى القصر على كرسي جريد بغير مخدة متلثما هو وجميع حاشيته،

فسلم عليه الوزير المأمون وجميع الأمراء الكبار والصغار بالقراميز، وأذن للقاضي

والداعي والأشراف والأمراء بالسلام عليه، وهم بغير مناديل ملثمون حفاة، وعبي

السماط في غير موضعه المعتاد، وجميع ما عليه خبز الشعير والحواضر على ما كان

في الأيام الأفضلية، وتقدم إلى والي مصر والقاهرة، بأن لا يمكنا أحدا من جمع ولا

قراءة مصرع الحسين، وخرج الرسم المطلق للمتصدرين والقراء الخاص والوعاظ

والشعراء وغيرهم على ما جرت به عادتهم، قال: وفي ليلة عاشوراء من سنة سبع

عشرة وخمسمائة اعتمد الأجل الوزير المأمون على السنة الأفضلية من المضي فيها

إلى التربة الجيوشية، وحضور جميع المتصدرين والوعاظ وقراء القرآن إلى آخر

الليل وعوده إلى داره، واعتمد في صبيحة الليلة المذكورة مثل ذلك، وجلس الخليفة

على الأرض متلثما يرى به الحزن، وحضر من شرف بالسلام عليه، والجلوس على

السماط بما جرت به العادة.

قال ابن الطوير: إذا كان اليوم العاشر من المحرم احتجب الخليفة عن الناس،

فإذا علا النهار ركب قاضي القضاة والشهود، وقد غيروا زيهم فيكونون كما هم

اليوم، ثم صاروا إلى المشهد الحسيني، وكان قبل ذلك يعمل في الجامع الأزهر،

فإذا جلسوا فيه ومن معهم من قراء الحضرة والمتصدرين في الجوامع جاء الوزير

فجلس صدرا، والقاضي والداعي من جانبيه والقراء، يقرؤون نوبة بنوبة، وينشد

قوم من الشعراء غير شعراء الخليفة شعرا يرثون به أهل البيت - عليهم السلام - فإن

كان الوزير رافضيا تغالوا، وإن كان سنيا اقتصدوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تمضي

ثلاث ساعات فيستدعون إلى القصر بنقباء الرسائل، فيركب الوزير وهو بمنديل

صغير إلى داره ويدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما إلى باب الذهب،فيجدون

الدهاليز قد فرشت سماطها بالحصر بدل البسط، وينصب في الأماكن الخالية من

المصاطب دكك لتحلق بالمصاطب لتفرش، ويجدون صاحب الباب جالسا هناك،

فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه، والناس على اختلاف طبقاتهم، فيقرأ القراء

وينشد المنشدون أيضا، ثم يفرش عليها سماط الحزن مقدار ألف زبدية من العدس

والملوحات والمخللات والأجبان والألبان الساذجة والأعسال النحل، والفطير والخبز

المغير لونه بالقصد، فإذا قرب الظهر وقف صاحب الباب وصاحب المائدة وأدخل

الناس للأكل منه، فيدخل القاضي والداعي ويجلس صاحب الباب نيابة عن الوزير،

والمذكوران إلى جانبه، وفي الناس من لا يدخل ولا يلزم أحد بذلك، فإذا فرغ القوم

انفصلوا إلى أماكنهم ركبانا بذلك الزي الذي ظهروا فيه، وطاف النواح بالقاهرة ذلك

اليوم، وأغلق البياعون حوانيتهم إلى جواز العصر فيفتح الناس بعد ذلك وينصرفون

اه ما جاء في تاريخ المقريزي عقب الكلام على المشهد الحسيني وذكر خلاصة مقتل

الإمام الحسين، ثم قال في باب بيان أعياد الفاطميين ومواسمهم ما نصه:

(يوم عاشوراء) كانوا يتخذونه يوم حزن تتعطل فيه الأسواق ويعمل فيه

السماط العظيم المسمى سماط الحزن، وقد ذكر عند ذكر المشهد الحسيني فانظره،

وكان يصل إلى الناس منه شيء كثير، فلما زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب

يوم عاشوراء يوم سرور يوسعون فيه على عيالهم، ويتبسطون في المطاعم

ويصنعون الحلاوات، ويتخذون الأواني الجديدة ويكتحلون، ويدخلون الحمام جريا

على عادة أهل الشأم التي سنها لهم الحجاج في أيام عيد عبد الملك بن مروان

ليرغموا بذلك آناف شيعة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - الذين يتخذون يوم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٨