من هذا الوجه، وقد صنف في زمان مالك موطآت كثيرة في تخريج أحاديثه،
ووصل منقطعه؛ مثل كتاب ابن أبي ذئب وابن عيينة والثوري وغيرهم ممن شارك
مالكا في الشيوخ، قال السيوطي في تقريبه نقلا عن ابن حزم: أحصيت ما في
موطأ مالك، وما في حديث سفيان بن عيينة، فوجدت في كل واحد منهما من
المسند [25] خمسمائة ونيفا مسندة وثلاثمائة مرسلا، وفيه نيف وسبعون حديثا قد
ترك مالك نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة وهاها جمهور العلماء.
عناية الناس به: قد روى الموطأ عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل،
وقد ضرب الناس فيه أكباد الإبل إلى مالك من أقاصي البلاد، مصداقا لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب
العلم فما يجدون بأعلم من عالم المدينة) قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس. رواه
الترمذي، فمنهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي ومحمد بن الحسن [26] ، وابن
وهب والقاسم، ومنهم شيوخ المحدثين كيحيى بن سعيد القطان [27] ، وعبد الرحمن
ابن مهدي [28] وعبد الرزاق بن همام [29] ، ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد [30]
وابنيه الأمين [31] والمأمون [32] ، وقد اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار
الإسلام، ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر به شهرة وأقوى به عناية، وعليه بنى فقهاء
الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق في بعض أمرهم، ولم يزل العلماء يخرجون
حديثه ويذكرون متابعاته وشواهده [****] ، ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله،
ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية.
روى ابن سعد في الطبقات عن مالك بن أنس قال: لما حج المنصور قال لي:
قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من
أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى
غيره. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل
وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به، فدع الناس
وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم، وروى أبو نعيم في الحلية عن مالك بن أنس
قال: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على
ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا
في الفروع وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب. فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله.
روايات الموطأ: قال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي: الموطآت
المعروفة عن مالك أحد عشر، معناها متقارب، والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى
ابن يحيى، وموطأ ابن بكير، وموطأ أبي مصعب، وموطأ ابن وهب، ثم ضعف
الاستعمال في الأخيرين، وبين الروايات اختلاف كبير من تقديم وتأخير وزيادة
ونقص، ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبي مصعب، فقد قال ابن حزم: إنها
تزيد على سائر الموطآت نحو مائة حديث.
***
شروح الموطأ ومختصراته
ممن شرح الموطأ أبو مروان بن عبد الملك بن حبيب المالكي [33] ، وصنف
الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر [34] كتابا سماه: (التقصي لحديث الموطأ) وله
كتاب (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) ، قال ابن حزم: هو
كتاب في الفقه والحديث، ولا أعلم نظيره. وكذلك شرح الموطأ أبو محمد عبد الله
ابن محمد النحوي البطليوسي [35] ، والقاضي الحافظ أبو بكر محمد بن العربي
المغربي [36] وسماه (القبس) ، ومما جاء فيه في وصف الموطأ: هذا أول
كتاب ألف في شرائع الإسلام، وهو آخره؛ لأنه لم يؤلف مثله، إذ بناه مالك رحمه
الله على تمهيد الأصول للفروع، ونبه فيه على معظم أصول الفقه التي ترجع
إليه في مسائله وفروعه. وممن شرحه جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر
السيوطي [37] وسمى شرحه (كشف المغطا في شرح الموطأ) ، ومحمد بن
عبد الباقي الزرقاني المصري المالكي [38] شرحه شرحا بسيطا في ثلاثة مجلدات،