تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل من دواعي النهي عن كتابة الحديث أولا، ثم الإذن بكتابته ثانيا أن

العارفين بالكتابة كانوا في غربة الإسلام قليلين فاقتضت الحكمة قصرهم على كتابة

القرآن، فلما توافر عددهم أذن صلوات الله وسلامه عليه بكتابة الحديث.

ولا يقعن في نفسك مما أسلفت أنه لم يدون شيء من الأحاديث في القرن

الأول، ولكن كان هذا هو الشأن الغالب، فقد كان عبد الله بن عمرو يقيد كل ما

سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أبو عمر يوسف بن عبد البر

في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) عن مطرف بن طريف قال: سمعت الشعبي

يقول: أخبرني أبو جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم من رسول

الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ

النسمة، إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في

الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل كافر بمسلم) .

وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات والديات والفرائض

والسنن لعمرو بن حزم وغيره، وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: (وجد في

قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيفة مكتوب فيها: (ملعون من

أضل أعمى في سبيل، ملعون من سرق تخوم الأرض، ملعون من تولى غير

مواليه، أو قال: ملعون من جحد نعمة من أنعم عليه) وعن معن قال: (أخرج

إلي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتابا، وحلف لي أنه خط أبيه بيده) ، وعن

سعيد بن جبير أنه كان يكون مع ابن عباس فيسمع منه الحديث فيكتبه في واسطة

الرحل، فإذا نزل نسخه، وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: (كنا

نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت

أنه أعلم الناس) وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه احترقت كتبه يوم الحرة في

خلافة يزيد، وكان يقول: لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي.

***

تثبت الصحابة في رواية الحديث

عساك تقول: إذا كانت الصدور وعاء السنة في القرن الأول فكيف يؤمن

عليها النسيان، وأن يندس بين المسلمين من يتقول على الرسول؟ فنقول إجابة

على ذلك: إن الصحابة وأكابر التابعين كانوا على علم بالكتاب، وكانوا أسبق

الناس إلى الائتمار بأمره والانتهاء بنهيه، وقد علموا ما أوعد الله به كاتم العلم من

لعن وطرد وإبعاد عن رحمة الرب، فكانوا إذا علموا شيئا من سنن الرسول بادروا

إلى تعليمه وإبلاغه خروجا من التهمة، وابتغاء للرحمة، فسرعان ما ينتشر بين

الجماهير، فلئن نسي بعض منهم، فرب مبلغ أوعى من سامع، فمن البعد بمكان أن

يضيع شيء من السنة أو يخفى على جمهور المسلمين، ولم يكن الصحابة يقبلون

الحديث من كل محدث، بل علموا أن من الحديث محرما ومحللا ومخطئا ومصوبا،

وأن سبيل ذلك اليقين أو الظن الآخذ بأهدابه، لذلك تثبتوا في رواية الحديث جد

التثبت، فكان لهم في الراوي نظرة، كما كانت لهم في المروي، وكان كثير منهم

يأبى إلا شاهدا معضدا أو يمينا حاسمة تميط لثام الشك عن وجه اليقين، فهذا أبو

بكر الصديق كان أول من احتاط في رواية الحديث، روى ابن شهاب عن قبيصة

(أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله

شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

يعطيها السدس فقال: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بذلك، فأنفذه لها أبو

بكر رضي الله عنه) .

وعمر بن الخطاب سن للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في

خبر الواحد إذا ارتاب، روى الجربزي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى

سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في

أثره فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(إذا سلم أخوكم ثلاثا فلم يجب، فليرجع) قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن

بك. فجاء أبو موسى منتقعا لونه، ونحن جلوس فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٥