تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس. ويدل لذلك أيضا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن معن بن يزيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

" لا نفل إلا بعد الخمس "

، قال الشوكاني في نيل الأوطار هذا الحديث صححه الطحاوي اه. والفرق بين البدأة والرجعة. أن المسلمين في البدأة متوجهون إلى بلاد العدو، والعدو في غفلة. وأما في الرجعة فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو، والعدو في حذر ويقظة، وبين الأمرين فرق ظاهر. والأحاديث المذكورة تدل على أن السرية من العسكر إذا خرجت، فغنمت، أن سائر الجيش شركاؤهم، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، كما قاله القرطبي. الثاني من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها تنفيل بعض الجيش، لشدة بأسه، وغنائه، وتحمله ما لم يتحمله غيره، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، في قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري، على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستنقاذه منه. قال سلمة فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا اليوم، أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة قال ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم الفارس، وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا. الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل. وقد قدمنا أن هذه غزوة " ذي قرد " في سورة " النساء " ، ويدل لهذا أيضا حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة، فإن فيه أن سعدا رضي الله عنه قال لعله يعطى هذا السيف لرجل لم يبل بلائي، ثم أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه لحسن بلائه وقتله صاحب السيف كما تقدم. الثالث من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها أن يقول الإمام " من قتل قتيلا فله سلبه ". ومن الأدلة على ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما،

" عن أبي قتادة رضي الله عنه قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه. وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال ما للناس؟ فقلت أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " قال فقمت، ثم قلت من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال فقمت فقلت من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما لك يا ابا قتادة؟ " فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم، صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي. فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق فأعطه إياه " فأعطاني، قال فبعت الدرع فابتعت بها مخرفا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام ".

والأحاديث بذلك كثيرة. وروى أبو داود، وأحمد، عن أنس. أن ابا طلحة يوم حنين قتل عشرين رجلا، وأخذ اسلابهم، وفي رواية عنه عند أحمد، أحد وعشرين، وذكر أصحاب المغازي أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر

أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد

والحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة، ولا أن يكون الكافر المقتول مقبلا. أما الدليل على عدم اشتراط المبارزة فحديث أبي قتادة هذا المتفق عليه. وأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلا إليه فحديث سلمة بن الأكوع،

" قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله، فأطلق قيده ثم أناخه، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء. قال سلمة وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس معه. فقال " من قتل الرجل؟ " قالوا ابن الأكوع، قال " له سلبه أجمع "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٨٧