8.28
أمر تعالى الناس في هذه الآية الكريمة أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم فتنة يختبرون بها، هل يكون المال والولد سببا للوقوع فيما لا يرضى الله؟ وزاد في مواضع آخر أن الأزواج فتنة أيضا، كالمال والولد، فأمر الانسان بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضى الله. ثم أمره إن اطلع على ما يكره من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له، وأخصهم به، وهم الأولاد، والأزواج أن يعفو عنهم. ويصفح ولا يؤاخذهم. فيحذر منهم أولا، ويصفح عنهم إن وقع منهم بعض الشيء، وذلك في قوله في التغابن
يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم
التغابن 14-15. وصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكره جل وعلا، وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في حظوظه، وهو قوله تعالى
يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون
المنافقون 9، والمراد بالفتنة في الآيات الاختبار والابتلاء، وهو أحد معاني الفتنة في القرآن.
8.29
قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومقاتل بن حيان، وغير واحد فرقانا مخرجا، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس فرقانا نجاة، وفي رواية عنه نصرا. وقال محمد بن إسحاق فرقانا. أي فصلا بين الحق والباطل، قاله ابن كثير. قال مقيده - عفا الله عنه - قول الجماعة المذكورة إن المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله تعالى
ومن يتق الله يجعل له مخرجا
الطلاق 2 الآية والقول بأنه النجاة أو النصر، راجع في المعنى إلى هذا، لأن من جعل الله له مخرجا أنجاه ونصره، لكن الذي يدل القرآن واللغة على صحته في تفسير الآية المذكورة هو قول ابن إسحاق، لأن الفرقان مصدر زيدت فيه الألف والنون، وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل، وذلك هو معناه في قوله
تبارك الذي نزل الفرقان
الفرقان 1، أي الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وقوله
وأنزل الفرقان
آل عمران 4، وقوله
وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان
البقرة 53، وقوله
ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان
الأنبياء 48، ويدل على أن المراد بالفرقان هنا العلم الفارق بين الحق والباطل. قوله تعالى في الحديد
يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم
الحديد 28 الآية. لأن قوله هنا ﴿ ويجعل لكم نورا تمشون به ﴾ يعني علما وهدى تفرقون به بين الحق والباطل، ويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافرا فهداه الله
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
الأنعام 122 الآية. فجعل النور المذكور في الحديد هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى. وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى الله في آية الأنفال، كذلك جاء مرتبا أيضا عليها في آية الحديد، وهو بيان واضح كما ترى.