8.53
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال
الرعد 11، وقوله
ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير
الشورى 30، وقوله
مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك
النساء 79 إلى غير ذلك من الآيات.
8.64
قال بعض العلماء إن قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي حسبك الله، وحسبك أيضا من اتبعك من المؤمنين. وممن قال بهذا. والحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي، وقال بعض العلماء هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله ﴿ حسبك ﴾ وعليه، فالمعنى حسبك الله أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن كثير وغيره، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى
ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون
التوبة 59، فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال
ومآ آتاكم الرسول فخذوه
الحشر 7، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل الحسب مختصا به وقال
أليس الله بكاف عبده
الزمر 36؟ فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
الطلاق 3، وقال تعالى
وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين
الأنفال 62 ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث افردوه بالحسب، فقال تعالى
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل
آل عمران 173 وقال تعالى
فإن تولوا فقل حسبي الله
التوبة 129 الآية. إلى غير ذلك من الآيات، فإن قيل هذا الوجه الذي دل عليه القرآن، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ضعفه غير واحد من علماء العربية، قال ابن مالك في الخلاصة
وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا
فالجواب من أربعة أوجه الأول أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض، قال ابن مالك في الخلاصة
وليس عندي لازما إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
وقد قدمنا في " سورة النساء " في الكلام على قوله
وما يتلى عليكم في الكتاب
النساء 127 شواهده العربية، ودلالة قراءة حمزة عليه، في قوله تعالى
واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام
النساء 1. الوجه الثاني أنه من العطف على المحل، لأن الكاف مخفوض في محل نصب، إذ معنى ﴿ حسبك ﴾ يكفيك، قال في الخلاصة
وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن
الوجه الثالث نصبه بكونه مفعولا معه، على تقدير ضعف وجه العطف، كما قال في الخلاصة
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق
الوجه الرابع أن يكون ﴿ ومن ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي ﴿ ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ فحسبهم الله أيضا، فيكون من عطف الجملة، والعلم عند الله تعالى.