8.34
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام، وأثبتها لخصوص المتقين، وأوضح هذا المعنى في قوله
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين
التوبة 17-18.
8.35
قوله تعالى ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية ﴾ الآية. المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، قال بعض العلماء والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل لهذا قوله تعالى
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون
فصلت 26.
8.41
قوله تعالى ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب أولا، ولكنه تعالى بين في سورة " الحشر " أن ما أفاء على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب، أنه لا يخمس ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا، وذلك في قوله تعالى في فيء بني النضير
ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب
الحشر 6 الآية، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله من جميع القرى بقوله
مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول
الحشر 7 الآية. اعلم أولا أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة فقالوا الفيء هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم صلى الله عليه وسلم أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح، وأما الغنيمة فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله
واعلموا أنما غنمتم
الأنفال 41 الآية مع قوله ﴿ فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ فإن قوله تعالى ﴿ فمآ أوجفتم عليه ﴾ الآية ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه وما لم يوجفوا عليه كما ترى، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله في غزوة بني النضير
وفيئهم والفيء في الأنفال ما لم يكن أخذ عن قتال أما الغنيمة فعن زحاف والأخذ عنوة لدى الزحاف
لخير مرسل الخ. وقوله وفيئهم مبتدأ خبره لخير مرسل، وقوله والفيء في الأنفال إلخ كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر بين به الفرق بين الغنيمة والفيء، وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية
مآ أفآء الله على رسوله
الحشر 7 ذكر فيها حكم الفيء وأشير لوجه الفرق بين المسالتين بقوله
فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب
الحشر 6 أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه. وقال بعض العلماء إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة رحمه الله وهو المعروف في اللغة، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي
فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير ولكنا نهكنا القوم ضربا على الأثباج منهم والنحور
يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال فقوله أفأنا يعني غنمنا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى
وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك