تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" منى مناخ لمن سبق "

كما تقدم. المسألة الخامسة في تحقيق المقام فيما للإمام أن ينفله من الغنيمة، وسنذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلتهم، وما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، كما أشرنا له في أول هذه السورة الكريمة، ووعدنا بإيضاحه هنا فذهب الإمام مالك - رحمه الله - إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحدا شيئا إلا من الخمس، وهو قول سعيد بن المسيب، لأن الأخماس الأربعة. ملك للغانمين الموجفين عليها بالخيل، و الركاب. هذا مشهور مذهبه، وعنه قول آخر أنها من خمس الخمس. ووجه هذا القول أن اخماس الخمس الأربعة، غير خمس الرسول صلى الله عليه وسلم لمصارف معينة في قوله ﴿ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ الأنفال 41 وأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين. وأصح الأقوال عن الشافعي أن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، ودليله ما ذكرنا آنفا. وعن عمرو بن شعيب أنه قال. لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قدامة في المغني ولعله يحتج بقوله تعالى

يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول

الأنفال 1. وذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم إلى أن للإمام أن ينفل الربع بعد الخمس في بدأته، والثلث بعد الخمس في رجعته.

ومذهب أبي حنيفة أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع، أو الثلث، أو أكثر، أو أقل بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا من الخمس. وقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة الكريمة، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم أولا، أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام الأول أن يقول الإمام لطائفة من الجيش إن غنمتم من الكفار شيئا، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه، فهذا جائز، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد أخراج الخمس. ومالك وأصحابه يقولون. إن هذا لا يجوز. لأنه تسبب في إفساد نيات المجاهدين، لأنهم يصيرون مقاتلين من أجل المال الذي وعدهم الإمام تنفيله. والدليل على جواز ذلك. ما رواه حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري

" أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته "

أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن الجارود. واعلم أن التحقيق في حبيب المذكور. أنه صحابي، وقال فيه ابن حجر في التقريب مختلف في صحبته، والراجح ثبوتها لكنه كان صغيرا، وله ذكر في الصحيح في حديث ابن عمر مع معاوية اه. وقد روى عنه أبو داود هذا الحديث من ثلاثة أوجه. منها عن مكحول بن عبد الله الشامي، قال كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل، فأعتقتني فما خرجت من مصروبها علم إلا حويت عليه، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليها فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك أسال عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخا يقال له زياد بن جارية التميمي. فقلت له هل سمعت في النفل شيئا؟ قال نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة- اه. وقد علمت أن الصحيح أنه صحابي، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع إلى آخر الحديث. ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث " أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان. وفي رواية عند الإمام أحمد كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعا - وكل الناس - نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٨٦