بدليل أن أولاد عماته صلى الله عليه وسلم، كالزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي أمية. لم يقسم لهم في خمس الخمس، وكونه مستحقا بقرابة الأب خاصة يجعله كالميراث. فيفضل فيه الذكر على الأنثى. وقال بعض العلماء ذكرهم وأنثاهم سواء. وممن قال به المزني وأبو ثور، وابن المنذر. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا القول أظهر عندي، لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج إلى دليل، ولم يقم عليه في هذه المسالة دليل، ولم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فضل ذكرهم على أنثاهم في خمس الخمس. والدليل على أنه ليس كالميراث أن الابن منهم يأخذ نصيبه مع وجود أبيه، وجده اه. وصغيرهم، وكبيرهم سواء. وجمهور العلماء القائلين بنصب القرابة على أنه يقسم على جميعهم. ولم يترك منهم أحد خلافا لقوم. والظاهر شمول غنيهم. خلافا لمن خصص به فقراءهم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخصص به فقراءهم، بخلاف نصيب اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فالظاهر أنه يخصص به فقراؤهم، ولا شيء لأغنيائهم، فقد بان لك مما تقدم أن مذهب الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - في هذه المسالة أن سهم الله، وسهم رسوله صلى الله عليه وسلم واحد. وأنه بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين. وأن سهم القرابة لبني هاشم، وبني المطلب. للذكر مثل حظ الأنثيين، وأنه لجميعهم. غنيهم وفقيرهم، قاتلوا أم لم يقاتلوا، وأن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الأنصباء الثلاثة الباقية لخصوص الفقراء من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ومذهب أبي حنيفة سقوط سهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وسهم قرابته بموته، وأن الخمس يقسم على الثلاثة الباقية التي هي اليتامى، والمساكين وابن السبيل. قال ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا. ومذهب الإمام مالك - رحمه الله - أن أمر خمس الغنيمة موكول إلى نظر الإمام واجتهاده. فيما يراه مصلحة، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها وبقول مالك هذا قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم
" مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم "
، فإنه لم يقسمه أخماسا، ولا أثلاثا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم. لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا لمالك، قال الله عز وجل
يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل
البقرة 215. وللرجل جائز بإجماع العلماء أن ينفق في غير هذه الأصناف، إذا رأى ذلك، وذكر النسائي عن عطاء، قال " خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه، ويعطى منه، ويضعه حيث شاء " اه من القرطبي.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه " وقال آخرون إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء. وقال شيخنا العلامة ابن تيمية رحمه الله - وهذا قول مالك، وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال اه من ابن كثير. وهذا القول هو رأي البخاري بدليل قوله باب قول الله تعالى ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ﴾ يعني للرسول قسم ذلك. وقال رسول الله
" إنما أنا قاسم، وخازن، والله يعطي "
ثم ساق البخاري أحاديث الباب، في كونه صلى الله عليه وسلم قاسما بأمر الله تعالى. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا القول قوي، وستأتي له أدلة إن شاء الله في المسألة التي بعد هذا، ولكن أقرب الأقوال للسلامة هو العمل بظاهر الآية، كما قال الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - لأن الله أمرنا أن نعلم أن خمس ما غنمنا. لهذه المصارف المذكورة، ثم أتبع ذلك بقوله ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ ، وهو واضح جدا، كما ترى. وأما قول بعض أهل البيت. كعبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين رضي الله عنهم بأن الخمس كله لهم دون غيرهم، وأن المراد باليتامى، والمساكين يتاماهم، ومساكينهم،وقول من زعم أنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يكون لقرابة الخليفة الذي يوليه المسلمون، فلا يخفى ضعفهما، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن الذهب، والفضة، وسائر الأمتعة. كل ذلك داخل في حكم الآية يخمس، ويقسم الباقي على الغانمين، كما ذكرنا. المسألة الرابعة أما أرضهم المأخوذة عنوة. فقد اختلف العلماء فيها، فقال بعض العلماء يخير الإمام بين قسمتها، كما يفعل بالذهب، والفضة. ولا خراج عليها. بل هي أرض عشر مملوكة، للغانمين،و بين وقفها للمسلمين بصيغة. وقيل بغير صيغة، ويدخل في ذلك تركها للمسلمين بخراج مستمر يؤخذ ممن تقر بيده، وهذا التخيير هو مذهب الإمام أحمد. وعلى هذا القول إذا قسمها الإمام، فقيل تخمس، وهو أظهر، وقيل لا، واختاره بعض أجلاء العلماء قائلا إن أرض خيبر لم يخمس ما قسم منها. والظاهر أن أرض خيبر خمست، كما جزم به غير واحد، ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن الزهري. وهذا التخيير بين القسم، وإبقائها للمسلمين، الذي ذكرنا أنه مذهب الإمام أحمد هو أيضا مذهب الإمام أبي حنيفة، والثوري. وأما مالك - رحمه الله - فذهب إلى أنها تصير وقفا للمسلمين، بمجرد الإستيلاء عليها.