" والخمس مردود عليكم "
وهو واضح كما ترى. ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. راجعة إلى شيء واحد. وهو صرفه في مصالح المسلمين. وقد كان الخلفاء الراشدون المهديون - رضي الله عنهم - يصرفونه فيما كان يصرفه فيه صلى الله عليه وسلم. وكان أبو بكر، وعمر - رضي الله عنهما - يصرفانه في الكراع والسلاح.
وجمهور العلماء على أن نصيب ذوي القربى باق، ولم يسقط بموته صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء فيه من ثلاث جهات الأولى هل يسقط بوفاته أو لا؟ وقد ذكرنا أن الصحيح عدم السقوط. خلافا لأبي حنيفة. الثانية في المراد بذي القربى. الثالثة هل يفضل ذكرهم على أنثاهم أو لا؟ أما ذوا القربى فهم بنو هاشم، وبنو المطلب. على أظهر الأقوال دليلا، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن خالد. قال البخاري في صحيحه، في كتاب " فرض الخمس ". حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب. عن جبير بن مطعم. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد ".
قال الليث حدثني يونس وزاد قال جبير ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل، اه. وقال البخاري أيضا في المغازي حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك، فقال
" إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد "
، قال جبير لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، وبني نوفل شيئا اه. وإيضاح كونهم من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة أن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف. فأولاد عبد مناف بن قصي أربعة هاشم، والمطلب، وعبد شمس. وهم أشقاء. أمهم عاتكة، بنت مرة، بن هلال السلمية، إحدى عواتك سليم. اللاتي هن جدات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن ثلاث " هذه التي ذكرنا. والثانية عمتها. وهي عاتكة، بنت هلال التي هي أم عبد مناف. والثالثة بنت أخي الأولى. وهي عاتكة، بنت الأوقص، بن مرة، بن هلال، وهي أم وهب، والد آمنة، أم النبي صلى الله عليه وسلم. ورابع أولاد عبد مناف نوفل بن عبد مناف، وأمه واقدة، بنت عدي، واسمه نوفل، بن عبادة بن مازن، بن صعصعة. قال الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب
عبد مناف قمر البطحاء أربعة بنوه هؤلاء مطلب، وهاشم، ونوفل، وعبد شمس، هاشم لا يجهل
وقال في بيان عواتك سليم اللآتي هن جدات له صلى الله عليه وسلم
عواتك النبي أم وهب، وأم هاشم، وأم الندب عبد مناف، وذه الأخيرة عمة عمة الأولى الصغيره وهن بالترتيب ذا لذي لرجال الأوقص بن مرة بن هلال
فبهذا الذي بينا يتضح أن الصحيح أن المراد بذي القربى في الآية بنو هاشم، وبنو المطلب دون بني عبد شمس، وبني نوفل. ووجهه أن بني عبد شمس، وبني نوفل عادوا الهاشميين، وظاهروا عليهم قريشا، فصاروا كالأباعد منهم. للعداوة، وعدم النضرة. ولذا قال فيهم أبو طالب. في لاميته المشهورة
جزى الله عنا عبد شمس، ونوفلا عقوبة شر، عاجل، غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه، غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا، والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصي في الخطوب الأوائل
بهذا الحديث الصحيح الذي ذكرنا يتضح عدم صحة قول من قال بأنهم بنو هاشم فقط. وقول من قال إنهم قريش كلهم. وممن قال بأنهم بنو هاشم فقط عمر بن عبد العزيز، وزيد بن أرقم، ومالك، والثوري، ومجاهد وعلي بن الحسين، والأوزاعي، وغيرهم. وقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه إنا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها ذوو قربى. وزيادة قوله وقالوا " قريش كلها " تفرد بها أبو معشر، وفيه ضعف. وما قدمنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله الثابت في الصحيح يعين أنهم بنو هاشم، والمطلب، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل، وكثير من أهل العلم. فإذا عرفت أنه صلى الله عليه وسلم قضى بخمس الخمس من غنائم خيبر لبني هاشم والمطلب، وأنهم هم ذوو القربى المذكورون في الآية. فاعلم أن العلماء اختلفوا هل يفضل ذكرهم على أنثاهم، أو يقسم عليهم بالسوية؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه كالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا هو مذهب أحمد بن حنبل في أصح الروايتين. قال صاحب الإنصاف هذا المذهب جزم به الخرقي، وصاحب الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والعمدة، والوجيز، وغيرهم. وقدمه في الرعايتين، والحاويين، وغيرهم، وصححه في البلغة، والنظم، وغيرهما. وعنه الذكر والأنثى. سواء. قدمه ابن رزين في شرحه. وأطلقهما في المغني، والشرح، والمحرر، والفروع، اه من الانصاف. وتفضيل ذكرهم على أنثاهم الذي هو مذهب الإمام أحمد هو مذهب الشافعي أيضا. وحجة من قال بهذا القول أنه سهم استحق بقرابة الأب شرعا.