لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الآخر
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض
وقال الآخر
فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا
وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضا، فهي قوله تعالى
فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة
المدثر 49-51 والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فيجب على المذكر - بالكسر - والمذكر - بالفتح - أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم. المسألة الثانية يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به، أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر، لأنه إن كان جاهلا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق منكرا، والمنكر معروفا و الله تعالى يقول
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني
يوسف 108 الآية، فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب، واللطافة مع إيضاح الحق. لقوله تعالى
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
النحل 125 الآية، فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادا مطلقا، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس، لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل، وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس، لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده، فيما قص الله عنه
وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك
لقمان 17 الآية، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل
" أو مخرجي هم؟ "
يعني قريشا أخبره ورقة " أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي " ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال " ما ترك الحق لعمر صديقا " ، واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر، إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو إجماع المسلمين. وأما إن كان من مسائل الاجتهاد، فيما لا نص فيه فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرا، فالمصيب منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله. واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين طريق لين، وطريق قسوة. أنا طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه.
فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده وتقام حدوده، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد
الحديد 25 الآية. ففيه الإشارة إلى أعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. المسألة الثالثة يشترط في جواز الأمر بالمعروف، ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين. قال في مراقي السعود
وارتكب لأخف من ضرين وخيرن لدى استوا هذين
ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما يدل له ظاهر قوله تعالى
فذكر إن نفعت الذكرى
الأعلى 9، وقوله صلى الله عليه وسلم
" بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم "