تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.44-45

قوله تعالى ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء ﴾ الآية. أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتقلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمدا كقوله

يحرفون الكلم عن مواضعه

النساء 46 الآية. وقوله

يحرفون الكلم من بعد مواضعه

المائدة 41 الآية، وقوله تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } الأنعام 91، وقوله

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله

البقرة 79 الآية، وقوله جل وعلا

وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب

آل عمران 78 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه إن قيل ما الفرق بين التوراة والقرآن، فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والتوراة حرفت، وبدلت كما بيناه آنفا، والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل، لو حرف منه أحد حرفا واحدا فأبدله بغيره، أو زاد فيه حرفا أو نقص فيه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلا عن كبارهم. فالجواب أن الله استحفظهم التوراة، واستودعهم إياها، فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدا والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

الحجر 9، وقوله

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

فصلت 42 الآية، إلى غير ذلك من الآيات و " الباء " في قوله ﴿ بما استحفظوا ﴾ متعلقة بالرهبان والأحبار، لأنهم إنما صاروا في تلك المرتبة بسبب ما استحفظوا من كتاب الله. وقيل متعلقة ب ﴿ يحكم ﴾ والمعنى متقارب. قوله تعالى ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾. اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة هل هي في المسلمين، أو في الكفار، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضا أنها في المسلمين، وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال ليس الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، قاله ابن كثير. قال بعض العلماء والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود، لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم ﴿ يحرفون الكلم من بعد مواضعه ﴾ ، وأنهم يقولون ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله ﴿ فخذوه وإن لم تؤتوه ﴾ أي المحرف، بل أوتيتم حكم الله الحق ﴿ فاحذروا ﴾ فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق.

وقد قال تعالى بعدها ﴿ وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس ﴾ المائدة 45 الآية، فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب، كما دل عليه ما ذكر البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة نقله عنهم ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي. وقال القرطبي في تفسيره ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ المائدة 44 - و ﴿ الظالمون ﴾ المائدة 45 و

الفاسقون

المائدة 47 نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار، أي ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾ ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد. فالآية عامة على هذا قال ابن مسعود، والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدا ذلك ومستحلا له. فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾ فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار، وقيل أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس قال ويدل على ذلك على ثلاثة أشياء. منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله تعالى ﴿ للذين هادوا ﴾ المائدة 44 فعاد الضمير عليهم. ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك. ألا ترى أن بعده ﴿ وكتبنا عليهم ﴾ المائدة 45، فهذا الضمير لليهود بإجماع. وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل " من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له " من " هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا. ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل، فقال نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل، وقيل ﴿ الكافرون ﴾ للمسلمين، و ﴿ الظالمون ﴾ لليهود و ﴿ الفاسقون ﴾ للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة والشعبي أيضا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٤٣