5.5
قوله تعالى ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن المرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله
ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر
البقرة 217. ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر، وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافا لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقا، والعلم عند الله تعالى.
5.6
قوله تعالى ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾. في قوله ﴿ وأرجلكم ﴾ ثلاث قراآت واحدة شاذة، واثنتان متواترتان. أما الشاذة فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن. وأما المتواترتان فقراءة النصب، وقراءة الخفض. أما النصب فهو قراءة نافع. وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة. وأما الجر فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر. أما قراءة النصب فلا إشكال فيها لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه، وتقرير المعنى عليها فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب، لأن الرأس يمسح بين المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة. وأما على قراءة الجر ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم
" ويل للأعقاب من النار ".
اعلم أولا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها النصب، أو الرفع. وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه. وممن صرح به الأخفش، وأبو البقاء، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له - مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعا كافيا. والتحقيق أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين. فمنه في النعت قول امرئ القيس
كأن ثبيرا في عرانين ودقه كبير أناس في بجاد مزمل
بخفض " مزمل " بالمجاورة، مع أنه نعت " كبير " المرفوع بأنه خبر " كأن " وقول ذي الرمة
تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب
إذ الرواية بخفض " غير " ، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت " سنة " المنصوب بالمفعولية. ومنه في العطف قول النابغة
لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في حبال القد مجنوب
بخفض " موثق " لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على " أسير " المرفوع بالفاعلية. وقول امرئ القيس
وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل
بجر " قدير " لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على " صفيف " المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو " منضج " والصفيف فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ. وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه " الصبان " في حاشيته على " الأشموني " من أن قوله " أو قدير " معطوف على " منضج " بتقدير المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لاوي الصفيف، وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير " طابخ " محذوف. وما ذكره العيني من أنه معطوف على " شواء " ، فهو ظاهر السقوط أيضا. وقد رده عليه " الصبان " ، لأن المعنى يصير بذلك وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفا. والتحقيق هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني. ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير