" لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا، فقال لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطرا ".
ومعنى تأطروهم أي تعطفوهم، ومعنى تقصرونه تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جدا، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله ﴿ إذا اهتديتم ﴾ المائدة 105، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون
آل عمران 104، وقوله
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
آل عمران 110. وقوله
لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون
المائدة 78-79، وقوله
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
الكهف 29، وقوله
فاصدع بما تؤمر
الحجر 94، وقوله
أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون
الأعراف 165، وقوله
واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة
الأنفال 25. والتحقيق في معناها أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم وبه فسرها جماعة من أهل العلم والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفا منها.
مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المسالة الأولى اعلم أن كلا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على " أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها ". وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضا، أما السنة المذكورة فقوله صلى الله عليه وسلم
" يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون أي فلان ما أصابك، ألم تكن تامرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه "
، أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. ومعنى تندلق أقتابه تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء، وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" رأيت ليلة أسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون "
أخرجه الإمام أحمد، وابن ابي شيبة، وعبد بن حميد والبزار، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حيان وابن مردويه والبيهقي، كما نقله عنهم الشوكاني وغيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما " أنه جاءه رجل فقال له يا ابن عباس إني اريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، فقال ابن عباس أو بلغت ذلك؟ فقال أرجو، قال فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل، قال وما هي؟ قال قوله تعالى
أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم
البقرة 44 الآية، وقوله تعالى
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
الصف 3، وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
هود 88 الآية، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه، وابن عساكر، كما نقله عنهم أيضا الشوكاني وغيره. واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض النار، ليس على الأمر بالمعروف. وإنما هو على ارتكابه المنكر عالما بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح، ولا طالح، والوعيد على المعصية، لا على الأمر بالمعروف، لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير، ولقد أجاد من قال