تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال

" المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يخرج عنها أحد رغبة إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة "

، رواه مسلم. وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها "

رواه مسلم أيضا. وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال

" أهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى المدينة، فقال " إنها حرم آمن "

رواه مسلم في صحيحه أيضا. وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد رضي الله عنهما " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول

" إني حرمت ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة ".

قال وكان أبو سعيد الخدري يجد في يد أحدنا الطير، فيأخذه فيفكه من يده، ثم يرسله، رواه مسلم في صحيحه أيضا، وعن عبد الله بن عبادة الزرقي، " أنه كان يصيد العصافير في بئر إهاب، وكانت لهم، قال فرآني عبادة، وقد أخذت عصفورا فانتزعه مني فأرسله، وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة "

وكان عبادة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه البيهقي. وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال اصطدت طيرا بالقنبلة، فخرجت به في يدي فلقيني أبي عبدالرحمن بن عوف، فقال ما هذا في يدك؟ فقلت اصطدته بالقنبلة، فعرك أذني عركا شديدا، وانتزعه من يدي، فأرسله، فقال

" حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم صيد ما بين لابتيها "

رواه البيهقي أيضا، والقنبلة آلة يصاد بها النهس وهو طائر. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه " أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية فطردهم عنه " ، قال مالك ولا أعلم إلا أنه قال " أفي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هذا " ، رواه البيهقي أيضا.

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه " أنه وجد رجلا بالأسواف - وهو موضع بالمدينة - وقد اصطاد نهسا فأخذه زيد من يده فأرسل، ثم قال أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم صيد ما بين لابتيها " ، رواه البيهقي، والرجل الذي اصطاد النهس هو شرحبيل بن سعد والنهي بضم النون وفتح الهاء بعدهما سين مهملة - طير صغير فوق العصفور شبيه بالقنبرة. والأحاديث في الباب كثيرة جدا، ولا شك في أن النصوص الصحيحة الصريحة التي أوردناها في حرم المدينة لا شك معها، ولا لبس في أنها حرام، لا ينفر صيدها، لا يقطع شجرها، ولا يختلى خلاها إلا لعلف، وما احتج به بعض أهل العلم على أنها غير حرام من قوله صلى الله عليه وسلم

" ما فعل النعير يا أبا عمير "

، لا دليل فيه، لأنه محتمل لأن يكون ذلك قبل تحريم المدينة، ومحتمل لأن يكون صيد في الحل، ثم أدخل المدينة. وقد استدل به بعض العلماء على جواز إمساك الصيد الذي صيد في الحل وإدخاله المدينة، وما كان محتملا لهذه الاحتمالات لا تعارض به النصوص الصريحة الصحيحة الكثيرة التي لا لبس فيها ولا احتمال، فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء القائلين بحرمة المدينة، وهم جمهور علماء الأمة اختلفوا في صيد حرم المدينة هل يضمنه قاتله أو لا؟ وكذلك شجرها، فذهب كثير من العلماء منهم مالك والشافعي في الجديد، وأصحابهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد، و عليه أكثر أهل العلم إلى أنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلم يجب فيه جزاء كصيد وج. واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم

" المدينة حرم ما بين عير وثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا "

، فذكره صلى الله عليه وسلم لهذا الوعيد الشديد في الآخرة، ولم يذكر كفارة في الدنيا دليل على أنه لا كفارة تجب فيه في الدنيا، وهو ظاهر. وقال ابن أبي ذئب، وابن المنذر يجب في صيد الحرم المدني الجزاء الواجب في صيد الحرم المكي، وهو قول الشافعي في القديم. واستدل أهل هذا القول بأنه صلى الله عليه وسلم صرح في الأحاديث الصحيحة المتقدمة بأنه حرم المدينة مثل تحريم إبراهيم لمكة، ومماثلة تحريمها تقتضي استواءهما في جزاء من انتهك الحرمة فيهما. قال القرطبي، قال القاضي عبد الوهاب وهذا القول أقيس عندي على أصولنا لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام اه. قال مقيده عفا الله عنه ومذهب الجمهور في تفضيل مكة، وكثرة مضاعفة الصلاة فيها زيادة على المدينة بمائة ضعف أظهر لقيام الدليل عليه، والله تعالى أعلم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٧٠