وذهب بعض من قال بوجوب الجزاء في الحرم المدني إلى أن الجزاء فيه هو أخذ سلب قاتل الصيد، أو قاطع الشجر فيه. قال مقيده عفا الله عنه وهذا القول هو أقوى الأقوال دليلا. لما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه " أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا، أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه، أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرده عليهم " ، رواه مسلم في صحيحه، وأحمد وما ذكره القرطبي في تفسيره رحمه الله من أن هذا الحكم خاص بسعد رضي الله عنه، مستدلا بأن قوله " نفلنيه " أي أعطانيه ظاهر في الخصوص به دون غيره فيه عندي أمران الأول أن هذا لا يكفي في الدلالة على الخصوص، لأن الأصل استواء الناس في الأحكام الشرعية إلا بدليل، وقوله " نفلنيه " ليس بدليل، لاحتماله أنه نفل كل من وجد قاطع شجر، أو قاتل صيد بالمدينة ثيابه، كما تنفل سعدا، وهذا هو الظاهر. الثاني أن سعدا نفسه روي عنه تعميم الحكم، وشموله لغيره، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن سليمان بن أبي عبد الله قال " رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلبه ثيابه فجاء مواليه، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم، وقال
" من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه "
فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إن شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم " وفي لفظ " من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه ثيابه " وروى هذا الحديث أيضا الحاكم وصححه، وهو صريح في العموم وعدم الخصوص بسعد كما ترى، وفيه تفسير المراد بقوله " نفلنيه " وأنه عام لكل من وجد أحدا يفعل فيها ذلك. وتضعيف بعضهم لهذا الحديث بأن في إسناده سليمان بن أبي عبد الله غير مقبول، لأن سليمان بن أبي عبد الله مقبول، قال فيه الذهبي تابعي وثق، وقال فيه ابن حجر في التقريب مقبول. والمقبول عنده كما بينه في مقدمة تقريبه هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله فهو مقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث، وقال فيه ابن أبي حاتم ليس بمشهور، ولكن يعتبر بحديثه اه.
وقد تابع سليمان بن أبي عبد الله في هذا الحديث عامر بن سعد عند مسلم وأحمد، ومولى لسعد عند أبي داود كلهم عن سعد رضي الله عنه، فاتضح رد تضعيفه مع ما قدمنا من أن الحاكم صححه، وأن الذهبي قال فيه تابعي موثق. والمراد بسلب قاطع الشجر أو قاتل الصيد في المدينة أخذ ثيابه. قال بعض العلماء حتى سراويله. والظاهر ما ذكره بعض أهل العلم من وجوب ترك ما يستر العورة المغلظة، والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء السلب هنا سلب القاتل، وفي مصرف هذا السلب ثلاثة أقوال أصحها أنه للسالب كالقتيل، ودليله حديث سعد المذكور. والثاني أنه لفقراء المدينة. والثالث أنه لبيت المال، والحق الأول. وجمهور العلماء على أن حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه، أن قدره اثنا عشر ميلا من جهات المدينة لا يجوز قطع شجره، ولا خلاه، كما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يهش هشا رقيقا "
أخرجه أبو داود والبيهقي، ولم يضعفه أبو داود، والمعروف عن أبي داود رحمه الله إنه إن سكت عن الكلام في حديث فأقل درجاته عنده الحسن. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث جابر المذكور رواه أبو داود بإسناد غير قوي لكنه لم يضعفه اه، ويعتضد هذا الحديث بما رواه البيهقي بإسناده عن محمد بن زياد قال " كان جدي مولى لعثمان بن مظعون، وكان يلي أرضا لعثمان فيها بقل وقثاء. قال فربما أتاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف النهار، واضعا ثوبه على راسه يتعاهد الحمى، ألا يعضد شجره، ولا يخبط. قال فيجلس إلي فيحدثني، وأطعمه من القثاء والبقل، فقال له يوما أراك لا تخرج من ها هنا. قال قلت أجل. قال إني أستعملك على ما ها هنا فمن رأيت يعضد شجرا أو يخبط فخذ فأسه، وحبله، قال قلت آخذ رداءه، قال لا " وعامة العلماء على أن صيد الحمى المذكور غير حرام، لأنه ليس بحرم، وإنما هو حمى حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخيل وإبل الصدقة والجزية، ونحو ذلك. واختلف في شجر الحمى هل يضمنه قاطعه؟ والأكثرون على أنه لا ضمان فيه، وأصح القولين عند الشافعية، وجوب الضمان فيه بالقيمة، ولا يسلب قاطعه، وتصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية. المسالة الثالثة عشرة اعلم أن جماهير العلماء على إباحة صيد وج، وقطع شجره. وقال الشافعي رحمه الله تعالى أكره صيد وج، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم.