" إلا الإذخر "
متفق عليه أيضا. وفي لفظ " لا يعضد شجرها " ، بدل قوله " لا يختلى شوكها " ، والأحاديث في الباب كثيرة. واعلم أن شجر الحرم ونباته طرفان، وواسطة طرف لا يجوز قطعه إجماعا، وهو ما أنبته الله في الحرم من غير تسبب الآدميين، وطرف يجوز قطعه إجماعا، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول، والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه. وقال قوم منهم الشافعي بالمنع، وهو أحوط في الخروج من العهدة، وقال بعض العلماء إن نبت أولا في الحل، ثم نزع فغرس في الحرم جاز قطعه، وإن نبت أولا في الحرم، فلا يجوز قطعه، ويحرم قطع الشوك والعوسج، قال ابن قدامة في المغني، وقال القاضي، وأبو الخطاب لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي، لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان.
قال مقيده عفا الله عنه قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين الأول أن السباع تتعرض لأذى الناس، وتقصده بخلاف الشوك. الثاني أنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم
" لا يعضد شوكه "
، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار. قال في مراقي السعود
والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى
وفساد الاعتبار قادح مبطل للدليل، كما تقرر في الأصول، واختلف في قطع اليابس من الشجر، والحشيش، فأجازه بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد. لأنه كالصيد الميت لا شيء على من قده نصفين، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم
" ولا يختلى خلاه "
لأن الخلا هو الرطب من النبات، فيفهم منه أنه لا بأس بقطع اليابس. وقال بعض العلماء لا يجوز قطع اليابس منه، واستدلوا له بأن استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس، وبأن في بعض طرق حديث أبي هريرة ولا يحتش حشيشها، والحشيش في اللغة اليابس من الشعب، ولا شك أن تركه أحوط. واختلف أيضا في جواز ترك البهائم ترعى فيه، فمنعه أبو حنيفة، وروي نحوه عن مالك، وفيه عن أحمد روايتان، ومذهب الشافعي جوازه، واحتج من منعه بأن ما حرم اتلافه، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، واحتج من أجازه بأمرين الأول حديث ابن عباس قال " أقبلت راكبا على أتان، فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع " متفق عليه، ومنى من الحرم. الثاني أن الهدي كان يدخل الحرم بكثرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزمن أصحابه، ولم ينقل عن أحد الأمر بسد أفواه الهدي عن الأكل من نبات الحرم. وهذا القول أظهر، والله تعالى أعلم. وممن قال به عطاء، واختلف في أخذ الورق، والمساويك من شجر الحرم إذا كان أخذ الورق بغير ضرب يضر بالشجرة، فمنعه بعض العلماء لعموم الأدلة، وأجازه الشافعي، لأنه لا ضرر فيه على الشجرة، وروي عن عطاء، وعمرو بن دينار، أنهما رخصا في ورق السنا للاستمشاء بدون نزع أصله، والأحوط ترك ذلك كله، والظاهر أن من أجازه استدل لذلك بقياسه على الإذخر بجامع الحاجة. وقال ابن قدامة في المغني ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا ما سقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا، لأن الخبر إنما ورد في القطع، وهذا لم يقطع فأما إن قطعه آدمي، فقال أحمد لم أسمع إذا قطع أنه ينتفع به، وقال في الدوحة تقطع من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وذلك لأنه ممنوع من اتلافه لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به، كالصيد يذبحه المحرم.
ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به، لأنه انقطع بغير فعله، فأبيح له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ذبحه، لأن الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا تحصل بفعل بهيمة بخلاف هذا اه. وقال في المغني أيضا ويباح أخذ الكمأة من الحرم، وكذلك الفقع، لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة، وروى حنبل قال يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق، وما سقط من الشجر، وما أنبت الناس. واختلف في عشب الحرم المكي، هل يجوز أخذه لعلف البهائم؟ والأصح المنع لعموم الأدلة. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الحلال إذا قتل صيدا في الحرم المكي. فجمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار على أن عليه الجزاء، وهو كجزاء المحرم المتقدم، إلا أن أبا حنيفة قال ليس فيه الصوم، لأنه إتلاف محض من غير محرم. وخالف في ذلك داود بن علي الظاهري، محتجا بأن الأصل براءة الذمة ولم يرد في جزاء صيد الحرم نص، فيبق على الأصل الذي هو براءة الذمة وقوله هذا قوي جدا. واحتج الجمهور " بأن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في حمام الحرم المكي بشاة شاة " ، روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون إجماعا سكوتيا، واستدلوا أيضا بقياسه على صيد المحرم، بجامع أن الكل صيد ممنوع لحق الله تعالى، وهذا الذي ذكرنا عن جمهور العلماء من أن كل ما يضمنه المحرم يضمنه من في الحرم يستثنى منه شيئان الأول منهما القمل، فإنه مختلف في قتله في الإحرام، وهو مباح في الحرم بلا خلاف. والثاني الصيد المائي مباح في الإحرام بلا خلاف، واختلف في اصطياده من آبار الحرم وعيونه، وكرهه جابر بن عبد الله، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام