وإذا جئنا للنسبة بين الذهب والفضة وهي أصل الأثمان، وبين الغنم نجد الآتي:
أولا:
" في حديث عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري لهم شاة فذهب وأتاهم بشاة ودينار، فقال له صلى الله عليه وسلم " ماذا فعلت "؟ فقال اشتريت شاتين بالدينار، ثم لقيني رجل فقال: أتبيعني شاة فبعته شاة بدينار، فقال له صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لك في صفقة يمينك " ".
معنى هذا أن الدينار قيمته الشرائية تعادل شاتين، من ضرب عشرين دينارا في اثنتين فيساوي أربعين شاة، وهذا هو نصاب الغنم، وفي الأربعين شاة شاة، وقيمتها الشرائية نصف الدينار، وهي خمسة دراهم وهي ما يؤخذ في العشرين مثقالا فاطردت النسبة أيضا بين الذهب والفضة وبين الغنم.
أما بين الغنم والإبل فقد وجدنا أن البدنة عن سبع شياه في الهدي، ونصاب الإبل خمسة وتضربها في سبع فيساوي خمسة وثلاثين، ولو جعلت ستا لكانت تعادل اثنين وأربعين فأخذنا بالأقل احتياطا لحق المسكين، فكان بين نصاب الإبل ونصاب الغنم نسبة مطردة.
وكذلك نصاب الغنم، ونصاب النقدين نسبة مطردة. فظهرت الدقة واطراد النسبة في الأنصباء.
ما يجوز أخذه وما لا يجوز أخذه في الزكاة
اتفقوا على أنه لا تؤخذ الذكور في الزكاة اللهم إلا ابن لبون لمن لم تكن عنده بنت مخاض.
واختلف فيما لو كان النصاب كله ذكورا، والواقع أن هذا نادر، ولكن اتفقوا على أنه لا تؤخذ السخال مع وجوب الاعتداد بها على صاحبها.
كما جاء عن عمر رضي الله عنه: اعتد عليهم بالسخلة يأتي بها الراعي، ولا تأخذها منهم، ولا يجوز أخذ فحل الإبل ولا تيس الغنم ولا الربى، ولا الحلوبة.
لما في ذلك من المضرة على صاحب المال.
كما لا تؤخذ السخلة ولا العجفاء لما فيه من مضرة المسكين، والأصل في ذلك ما رواه مالك رحمه الله في الموطأ، قال: اعتد عليهم بالسخلة يحملها الراعي، ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء الغنم وخيارها، وغذاء الغنم صغارها وخيارها كبارها وأسمنها فهي عدل أي وسط.
وهنا تتحتم كلمة، يعتبر كل نظام مالي في العالم نظاما ماديا بحتا يقوم على مباني الأرقام والإحصاء، فهو جاف في شكله، كالجسم بدون روح إلا نظام الزكاة، فهو نظام حي له روحه وعاطفته.
ففي الوقت الذي يلزم الغني بدفع قسط للفقير، يحظر على العامل أن يأخذ فوق ما وجب، أو أحسن ما وجد.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" وإياكم وكرائم الأموال ".
وفي الوقت الذي يدفع الغني فيه جزءا من ماله يستشعر أنه يدفعه لوجه الله وينتظر أجره جل وعلا، فأصحبت الزكاة بين عامل متحفظ، وبين مالك متطوع عامل يخشى قوله صلى الله عليه وسلم:
" واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب "
، ومالك يرجو في الحسنة عشر أمثالها وسبعمائة، وزيادة مضاعفة.
وقد وقعت قضية مذهلة لم يشهد نظام مالي في العالم مثلها، وهي أنه:
" ذهب عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم للصدقة فمر برجل في قرية قريبة من المدينة بصاحب إبل فحسبها. فقال لصاحبها: أخرج بنت لبون. فقال صاحب الإبل: كيف أخرج بنت لبون في الزكاة، وهي لا ظهر يركب ولا ضرع يحلب، ولكن هذه ناقة كوماء، فخذها في سبيل الله. فقال العامل: وكيف آخذ شيئا لم يجب عليك؟ فتلاحيا معا، العامل وصاحب المال وأخذا، قال له العامل: إن كنت ولا بد مصرا فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب بالمدينة: اذهب بها إليه فإن قبلها منك أخذتها، فذهب بها، فقال له صلى الله عليه وسلم: " أعن طيب نفس "؟ قال نعم يا رسول الله. فأمر العامل بأخذها، فدعا له صلى الله عليه وسلم بالبركة "
فعاش حتى عهد معاوية. فكانت زكاة إبله هذه هي روح الزكاة في الإسلام لا ما يفعله أصحاب الأموال في النظم الأخرى.