مثال ذلك عند الجميع، وإليك المثال للجميع، لو أن ثلاثة أشخاص يملك كل واحد منهم أربعين شاة، فإن كان كل منهم على حدة، فعلى كل واحد منهم شاة فإن اختلطوا كانت عيلهم جميعا شاة واحدة بالسوية، بينهم لأن مجموعهم مائة وعشرون، وهو حد الشاة.
وهذا عند الأئمة الثلاثة القائلين بتأثير الخلطة: مالك والشافعي وأحمد، ولو أن للأول عشرين شاة وللثاني أربعين وللثالث ستين ففيها أيضا شاة.
ولكن عند أحمد والشافعي كل بحصته فلو كانت الشاة بستين درهما، لكان على الأول عشرة دراهم بنسبة غنمه من المجموع، وعلى الثاني عشرون وعلى الثالث ثلاثون كل بنسبة غنمه من المجموع.
وعند مالك: لا شيء على الأول لأنه لم يملك نصابا، والشاة على الثاني والثالث فقط، وبنسبة غنمهما من المجموع، فعلى الثاني خمسا القيمة أربعة وعشرون. وعلى الثالث ثلاثة أخماسها ستة وثلاثون درهما وهكذا.
والدليل قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنما يتراجعان بالسوية ".
فقال الجمهور: النهي عن تفريق المجتمع وتقاسمهما بالسوية دليل على تأثير الخلطة في الزكاة لما فيه من إرفاق.
قال الباجي: كما في الإرفاق في سقي الحرث ما سقي بالنضح وما سقي بغير النضح.
وقال أبو حنيفة: ما كان من خليطين يعني الشريكين ولكن يرده قوله صلى الله عليه وسلم:
" يتراجعان بالسوية "
لأن التراجع لا يتحقق إلا في خلطة الجوار والأوصاف.
وقال مالك: لا تأثير للخلطة على من لم يملك النصاب لقوله صلى الله عليه وسلم:
" في كل أربعين شاة شاة "
، فمن لم يملك أربعين شاة فلا زكاة عليه ولا تأثير للخلطة عليه. ولعل من النصوص المقدمة يكون الراجع مذهب أحمد والشافعي في قضية الخلطة. والله تعالى أعلم.
الشروط المؤثرة في الخلطة عند القائلين بها كالآتي: عند أحمد رحمه الله تعالى خمسة أوصاف، وهي اتحاد المالين في الآنى المرعى. المسرح. المبيت. المحلب. الفحل.
وعند الشافعي رحمه الله ذكر النووي عشرة أوصاف الخمسة الأولى. وزاد أن يكون الشريكان من أهل الزكاة: أن يكون المال المختلط نصابا، أن يمضي عليهم حول كامل، اتحاد المشرب: اتحاد الراعي.
وعند مالك: الراعي، والفحل، والمراح، والدلو، والمراد بالدلو المشرب، عند الشافعي وعليه: يكون الجميع متفقين تقريبا في الأوصاف، وما زاده الشافعي معلوم شرعا، لأنها شروط في أصل وجوب الزكاة. ولكن اختلفوا في المراد من هذه الأوصاف هل تشترط جميعها أو يكفي وجود بعضها.
الواقع أنه لا نص في ذلك ولكن يرجع إلى تحقيق المناط فيما يكون به الإرفاق، فمالك اكتفى ببعضها كالفحل والمرعى، والراعي. والشافعي. اشترط توفر جميع تلك الأوصاف، وإلا فلا تكون الخلطة مؤثرة، ولكل في مذهبه خلاف في تلك الأوصاف لا نطيل الكلام بتتبعه، وإنما يهمنا بيان الراجح فيما فيه الخلاف في أصل المسألة، وقد ظهر أن الراجح هو الآتي:
أولا: صحة تأثير الخلطة.
ثانيا: اشتراط الأوصاف التي تتحقق بها الخلطة عرفا.
ملحوظة
لقد عرفنا أنصباء بهيمة الأنعام جملة وتفصيلا، وبقي علينا الإجابة عن سؤال طال ما جال تفكر كل دارس فيه، وهو ما يقوله جميع الفقهاء: إن المقادير توقيفية، ومنها أنصباء الزكاة. ومعنى توقيفية: أنه لا اجتهاد فيها، ولكن هل هي جاءت لغوية، أو أن بين هذه الأنصباء ارتباط ونسبة مطردة.
الواقع: أنه، وإن كان الواجب على كل مسلم والذي عليه المسلمون قديما وحديثا هو الامتثال والطاعة، إلا أننا لما كنا في عصر مادي والنظام الاقتصادي هو الأصل في سياسة العالم اليوم، فإن البعض قد يتطلع إلى الإجابة عن هذا السؤال.
وقد حاولت الإجابة عليه بعمل مقارنة عامة توجد بها نسبة مطردة كالآتي:
أولا: في النقدين معلوم أن نصاب الذهب عشرون مثقالا، والفضة مائتا درهم وفي كل منهما ربع العشر، وكان صرف الدينار عشر دراهم، فيكون نصاب الذهب من ضرب عشرين في عشرة فيساوي مائتين، فهي نسبة مطردة كما ترى.