70.32
تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه في أول سورة
قد أفلح المؤمنون
[المؤمنون: 1].
وفي المسألة السادسة من مسائل مبحث:
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث
[الأنبياء: 78].
70.33
قرئ بشهاداتهم بالجمع وقرئ بشهادتهم بالإفراد، فقيل: إن الإفراد يؤدي معنى الجمع للمصدر كما في قوله:
إن أنكر الأصوات لصوت الحمير
[لقمان: 19]. فأفرد في الصوت مرادا به الأصوات.
وقيل: الإفراد لشهادة التوحيد مقيمون عليها. والجمع لتنوع الشهادات بحسب متعقلها، ولا تعارض بين الأمرين فما يشهد لذلك قوله تعالى:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا
[فصلت: 30].
قال أبو بكر رضي الله عنه: أي داموا على ذلك حتى ماتوا عليه.
وبدل للثاني عمومات آية الشهادة المتنوعة في البيع والطلاق والكتابة في الدين وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
وفي هذه الآية عدة مسائل:
المسألة الأولى: أطلق القيام بالشهادة هنا وبين أن قيامهم بها إنما هو لله في قوله تعالى:
وأقيموا الشهادة لله
[الطلاق: 2]، وقوله:
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم
[النساء: 135].
المسألة الثانية: قوله ﴿ بشهاداتهم قآئمون ﴾ في معرض المدح، وإخراجهم من وصف
إن الإنسان خلق هلوعا
[المعارج: 19] يدل بمفهومه أن غير القائمين بشهاداتهم غير خارجين من ذلك الوصف الذميم.
وقد دلت آيات صريحة على هذا المفهوم، منها قوله تعالى:
ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه
[البقرة: 283]، وقوله:
ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين
[المائدة: 106].
وكذلك في معرض المدح في وصف عباد الرحمن في قوله:
والذين لا يشهدون الزور
[الفرقان: 72].
وفي الحديث من عظم جرم شهادة الزور، وكان صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس، فقال:
" ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت "
تنبيه
قوله: ﴿ والذين هم بشهاداتهم قآئمون ﴾ يفيد القيام بالشهادة مطلقا، وجاء قوله:
ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا
[البقرة: 282] فقيد القيام بالشهادة بالدعوة إليها.
وفي الحديث:
" خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ".
وفي حديث آخر في ذم المبادرة بها، ويشهدون قبل أن يستشهدوا. وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن الأول في حالة عدم معرفة المشهود له بما عنده له من شهادة، أو يتوقف على شهادته حق شرعي كرضاع وطلاق ونحوه، والثاني بعكس ذلك.
وقد نص ابن فرحون أن الشهادة في حق الله على قسمين، قسم تستديم فيه الحرمة كالنكاح والطلاق، فلا يتركها، وتركها جرحة في عدالته، وقسم لا تستديم فيه الحرمة كالزنى والشرب، فإن تركها أفضل ما لم يدع لأدائها. لحديث هذال في قصة ماعز حيث قال له صلى الله عليه وسلم:
" هلا سترته بردائك "
المسألة الثالثة: مواطن الشهادة الواردة في القرآن، والتي يجب القيام فيها، نسوقها على سبيل الإجمال.
الأول: الإشهاد في البيع في قوله تعالى:
وأشهدوا إذا تبايعتم
[البقرة: 282].
الثاني: الطلاق، والرجعة لقوله تعالى:
فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم
[الطلاق: 2].
الثالث: كتابة الدين لقوله تعالى:
فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم
[البقرة: 282] الآية.
الرابع: الوصية عند الموت لقوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم
[المائدة: 106] الآية.
الخامس: دفع مال اليتيم إليه إذ رشد، قوله تعالى:
فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم
[النساء: 6].
السادس: إقامة الحدود لقوله تعالى:
وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور: 2] السابع: في السنة عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل "
، وهذه كلها مواطن هامة تتعلق بحق الله وحق العباد من حفظ للمال والعرض والنسب، وفي حق الحي والميت واليتيم والكبير، فهي في شتى مصالح الأمة استوجبت الحث على القيام بها ﴿ والذين هم بشهاداتهم قآئمون ﴾ والتحذير من كتمانها