الأول: من جهة النصوص.
والثاني: من جهة المعنى.
أما النصوص، فما جاء عاما في حديث أبي بكر رضي الله عنه في أنصباء الزكاة في أربع وعشرين من الإبل فما دونه الغنم في كل خمس شاة لعمومه في السائمة والمعلوفة، هذا في الإبل وكذلك في الغنم في كل أربعين شاة شاة أي بدون قيد السوم.
وأما من جهة المعنى: فقال الباجي: إن كثرة النفقات وقلتها إذا أثرت في الزكاة فإنها تؤثر في تخفيفها وتثقيلها ولا تؤثر في إسقاطها ولا إثباتها، كالخلطة والتفرقة والسقي بالنضح والسبح، ولا فرق بين السائمة والمعلوفة إلا تخفيف النفقة وتثقيلها.
وأما التمكن من الانتفاع بها فعلى حد واحد لا يمنع علفها من الدر والنسل، ورد الجمهور على أدلة مالك أيضا بأمرين:
الأول: من جهة النصوص.
والثاني: من جهة المعنى.
أما النصوص: فما جاء في الإبل في حديث بهز بن حكيم، وفيه: " في كل أربعين من الإبل سائمة ابنة لبون " رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وفي الغنم حديث
" في سائمة الغنم الزكاة "
وهو حديث صحيح.
وفي كتاب أبي بكر وعمر فقالوا: جاء قيد السوم في الحديثين، وأدلة مالك مطلقة ويحمل الملطق على المقيد كما هو معلوم.
ومما يدل على رجحان أدلة الجمهور أن في حديث الغنم جاء المطلق في بيان العدد في كل أربعين شاة شاة، فهو لبيان النصاب اكثر منه لبيان الوصف.
وحديث:
" في سائمة الغنم الزكاة "
لبيان محل الوجوب أكثر منه لبيان العدد، ومن جهة أخرى يعتبر الحديثان مترابطان، وأن كلا منهما عام من وجه خاص من وجه آخر، فحديث
" في سائمة الغنم الزكاة "
، عام في الغنم بدون عدد خاص في السائمة.
وحديث:
" في كل أربعين شاة شاة "
عام في الشياه خاص بالأربعين. فيخصص عموم كل منهما بخصوص الآخر، فيقال: في سائمة الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين، ويقال: في كل أربعين شاة شاة إذا كانت سائمة، وبهذا تلتئم الأدلة في الإبل والغنم لاشتراط السوم وتحديد العدد.
أما البقر فقد حكي الإجماع على اعتبار السوم، ومن أدلة الجمهور من جهة المعنى أن السوم والنسل للنماء، فيحتمل المواساة، أما المعلوفة والعوامل فليست تحتمل المواساة. ومما تقدم يترجح قول الجمهور في اشتراط السوم والنسل. والله تعالى أعلم.
ما جاء في الخلطة، وهي اختلاط المالين معا لرجلين أو أكثر، وهي على قسمين:
أولا: خلطة أعيان.
ثانيا: خلطة أوصاف.
فخلطة الأعيان: أن يكون المال مشتركا بين الخلطاء على سبيل المشاع، كمن ورثوا غنما أو بقرا مثلا ولم يقتسموه أو أهدي إليهم ولم يقتسموه. وهذه الخلطة يكون حكم المال فيها، كحكمه لو كان لشخص واحد، أو خلطة الأوصاف، فهي أن يكون المال متميزا، وكل منهم يعرف حصته وماله بعدد وأوصاف سواء بألوانها أو بوسمها أو نحو ذلك. ولكنهم خلطوا المال ليسهل القيام عليه كاختلاطهم في الراعي والمرعي والمسرح والمراح والفحل والدلو والمحلب.
ونحو ذلك مما هو منصوص عليه لما فيه من الرفق والأكتفاء بواحد من كل ذلك، لجميع المال ولو فرق لاحتاج كل مال منه إلى واحد من ذلك كله، فهذه الخلطة لها تأثير في الزكاة عند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله، ولا تأثير لها عند أبي حنيفة رحمه الله، وإنما التأثير عنده في خلطة المشاع.
واختلف القائلون بتأثيرها في الزكاة على من تؤثر:
فقال أحمد والشافعي: تؤثر على جميع الخلطاء، من يملكون نصابا، ومن لا يملك.
وقال مالك: لا تؤثر إلا على من ملك نصابا فأكثر، ومن لا يملك نصابا فلا تأثير لها عليه. ودليل الجمهور على أبي حنيفة في تأثيرها هو قوله صلى الله عليه وسلم في كتاب بيان أنصباء الصدقة. ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهم يتراجعان بالسوية.
فقال الجمهور: النهي عن تفريق المجتمع لا يتأتى إلا في اجتماع الأوصاف لأن اجتماع المشاع لا يتأتى تفريقه خشية الصدقة، وكذلك التراجع بالسوية لا يقال إلا في خلطة الأوصاف، لأن خلطة المشاع ما يؤخذ منها مأخوذ من المجموع وعلى المشاع أيضا، لأن كل شريك على المشاع له حصته من كل شاة على المشاع.