تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من قذف مملوكه - وهو بريء مما يقول - جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال "

، وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر. هذا ملخص كلام العلماء في حكم قتل الحر بالعبد. وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه، منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي، وعثمان وغيرهم. وذهب أبو حنيفة، و النخعي، والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في الآية والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن ابي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر

" أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد "

وهو مرسل من رواية ضعيف، فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد أرسل، وترجم البيهقي في السنن الكبرى لهذا الحديث بقوله باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه، وبين ضعفها كلها.

ومن جملة ما قال أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله، والله أعلم. وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى

الحر بالحر والعبد بالعبد

البقرة 178 الآية ما نصه، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة

" أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر "

لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا، قال الدارقطني لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله " فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر، فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه مبينا بطلان تلك الأدلة التي لا يعول عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب " كتابة العلم " ، وفي باب " لا يقتل المسلم بالكافر " أن أبا جحيفة سأل عليا رضي الله عنه هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتابه، وما في هذه الصحيفة قلت وما في الصحيفة؟ قال العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. فهذا نص صحيح قاطع للنزاع مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث علي هذا ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا، وقال القرطبي في تفسيره قلت فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى

أن النفس بالنفس

المائدة 45، الآية. وعموم قوله تعالى

كتب عليكم القصاص فى القتلى

البقرة 178 فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق ا لمقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار. وأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم. ومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حرا، ولا من كافر جرح مسلما، وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل والمفعول، إلا ناقصا جرح كاملا، يعني فلا يقتص منه له، ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقا للأكثر، ومن لا يقتل بقتله، لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وممن قال بهذا مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني، وغيره.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٤