وقال أبو حنيفة لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر. ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم. لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المراة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى. وأجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري بينهما القصاص في النفس، يجرى في الطرف بينهما، الحرين، وما ذكره المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة، لأن المماثلة قد وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع. وأما اليسار واليمين، فيجريان مجرى النفس لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعا، وأن العلة فيهما ليست، كما ذكر المخالف، قاله ابن قدامة في المغني. ومن الدليل على جريان القصاص في الأطراف، بين من جرى بينهم في الأنفس، قوله تعالى
وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص
المائدة 54. وما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد، فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقا لأبي حنيفة، معللين بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفا، وبأن أنفس العبيد مال أيضا كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها في قوله تعالى
والعبد بالعبد
البقرة 178. واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط الأول كونه عمدا، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضا. الثاني كونهما يجري بينهما القصاص في النفس. الثالث إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة، لأن الله تعالى يقول
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به
النحل 126 الآية، ويقول
فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم
البقرة 194، فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا زيادة، فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى
والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن
المائدة 45، وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما.
واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص نظرا إلى أنه يمكن من غير زيادة، وممن قال بهذا مالك، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل، إلا فيما يخشى منه الموت، كقطع الفخذ، ونحوها. وقال الشافعي لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يجب القصاص في شيء من العظام، إلا في السن. واستدل من قال بأنه لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي،
" أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية. فقال يا رسول الله أريد القصاص، فقال " خذ الدية بارك الله لك فيها "
ولم يقض له بالقصاص. قال ابن عبد البر ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة، اه. من ابن كثير. وقال ابن حجر في التقريب في دهثم المذكور متروك، وفي نمران المذكور مجهول، واختلاف العلماء في ذلك، إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص يقولون إنه يمكن من غير حيف، والذين يقولون بعدمه، يقولون لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر. ومن هنا منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، وكالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك. وأنكر الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة. وقالوا ما سمعنا بأحد قاله قبله، واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك، كما هو ظاهر. تنبيه إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فيما دون النفس، فمات من القصاص، فلا شيء على الذي اقتص منه، عند مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، وغيرهم. وقال أبو حنيفة تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، و الزهري، والثوري، تجب الدية على عاقلة المقتص له.