تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم

يوسف 26-27 الآية، فذكره تعالى لهذا مقررا له يدل على جواز العمل به، ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من استنكه فشم في فيه ريح الخمر، لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها. وأجاز العلماء للرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها فتزفها إليه ولائد، لا يثبت بقولهن أمر - أن يجامعها من غير بينة على عينها أنها فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد اعتمادا على القرينة، وتنزيلا لها منزلة البينة. وكذلك الضيف ينزل بساحة قوم فيأتيه الصبي، أو الوليدة بطعام فيباح له أكله من غير بينة تشهد على إذن أهل الطعام له في الأكل، اعتمادا على القرينة. وأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص فقال سبحان الله متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف، ولا يشق قميصه؟ كما بينه تعالى بقوله

وجآءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون

يوسف 18، وأخذ المالكية ضمان الغرم من قوله تعالى في قصة يوسف وأخوته

ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم

يوسف 72، وأخذ بعض الشافعية ضمان لوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى في قصة يعقوب وبنيه

لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم

يوسف 66. وأخذ المالكية تلوم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء الآجال من قوله تعالى في قصة صالح

فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام

هود 65. وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم ب " أبقيت لك حجة؟ " ، ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد

لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين

النمل 21، وأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصة موسى، وصهره شعيب أو غيره

إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ومآ أريد أن أشق عليك

القصص 27 الآية، وأمثال هذا كثيرة جدا، وقوله تعالى

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا

المائدة 48، لا يخالف ما ذكرنا، لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك.

وبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا، وهذا ظاهر، فبهذا يتضح لك الجواب عن السؤال الأول، وتعلم أن ما تضمنته آية

وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس

المائدة 45، الآية مشروع لهذه الأمة، وأن الرجل يقتل بالمرأة كالعكس على التحقيق الذي لا شك فيه، وكأن القائل بعدم القصاص بينهما يتشبث بمفهوم قوله

والأنثى بالأنثى

البقرة 178، وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء الله قريبا. والجواب عن السؤال الثاني - الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى

الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى

البقرة 178؟ - هو ما تقرر في الأصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان محتملا لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق بمنعه ذلك من الاعتبار. قال صاحب جمع الجوامع في الكلام على مفهوم المخالفة وشرطه ألا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، إلى أن قال أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر، فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى

الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى

البقرة 178 يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، ولا لعكسه بالمنطوق. ومفهوم مخالفته هنا غير معتبر. لأن سبب نزول الآية، أن قبيلتين من العرب اقتتلتا، فقالت إحداهما نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان تطاولا منهم عليهم، وزعما أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك، وأن أنثاهم أيضا بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولا عليهم، وإظهارا لشرفهم عليهم، ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة. وروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير، نقله عنه ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في أسباب النزول، وذكر ابن كثير أنها نزلت في قريظة والنضير، لأنهم كان بينهم قتال، وبنو النضير يتطاولون على بني قريظة. فالجميع متفق على أن سبب نزولها أن قوما يتطاولون على قوم، ويقولون إن العبد منا لا يساويه العبد منكم، وإنما يساويه الحر منكم، والمرأة منا لا تساويها المرأة منكم، وإنما يساويها الرجل منكم، فنزل القرآن مبينا أنهم سواء، وليس المتطاول منهم على صاحبه بأشرف منه، ولهذا لم يعتبر مفهوم المخالفة هنا. وأما قتل الحر بالعبد، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على أنه لا يقتل حر بعبد، منهم مالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد. وممن قال بهذا ابو بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير - رضي الله عنهم - وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة يقتل الحر بالعبد وهو مروي عن سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، واحتج هؤلاء على قتل الحر بالعبد، بقوله صلى الله عليه وسلم " المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم " الحديث.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٠