خالصة لك من دون المؤمنين قد
الأحزاب 50 كما هو ظاهر. وقد ردت عائشة رضي الله عنها على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقا مع أن الخطاب في ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى
يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن
الأحزاب 28، الآيتين. وأخذ مالك رحمه الله بينونة الزوجة بالردة من قوله
لئن أشركت ليحبطن عملك
الزمر 65، وهو خطاب خاص به صلى الله عليه وسلم. وحاصل تحرير المقام في مسألة " شرع من قبلنا " أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعا لنا إجماعا، وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ثم بين لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، في قوله تعالى
وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس
المائدة 45 الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله
كتب عليكم القصاص في القتل
البقرة 178، وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا وهو أمران أحدهما ما لم يثبت بشرعنا أصلا أنه كان شرعا لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا صلى الله عليه وسلم عن تصديقه لا يكون مشروعا لنا إجماعا.
والثاني ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا كالآصار، والأغلال التي كانت على من قبلنا، لأن الله وضعها هنا، كما قال تعالى
ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم
الأعراف 157 وقد ثبت في صحيح مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ
ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا
البقرة 286 أن الله قال نعم قد فعلت ". ومن تلك الآصار التي وضعها الله عنا، على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ما وقع لعبدة العجل، حيث لم تقبل توبتهم إلا بتقديم أنفسهم للقتل، كما قال تعالى
فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم
البقرة 54. والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ولمن يبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع لنا، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعا لنا، وهو مذهب الجمهور، وقد رأيت أدلتهم عليه، وبه تعلم أن آية
وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس
المائدة 45، الآية، يلزمنا الأخذ بما تضمنته من الأحكام. مع أن القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله
كتب عليكم القصاص في القتلى
البقرة 187، وقوله
ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا
الإسراء 33، وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا، حيث قال صلى الله عليه وسلم
" لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس "
، الحديث. وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه، حيث قال باب قول الله تعالى ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ ، إلى قوله
فأولئك هم الظالمون
المائدة 45، ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم، وقال ابن حجر والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب، فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام فهو أصل في القصاص في قتل العمد، ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم
" كتاب الله القصاص "
أخرجه الشيخان من حديث أنس، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى
والسن بالسن
المائدة 45 في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما أوضحنا دليله. فمن ذلك قول المالكية وغيرهم إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة، في قوله تعالى