تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البقرة 178، لأن هذه الآية أخص من تلك، لأنها فصلت ما أجمل في الأولى، ولأن هذه الأمة مخاطبة بها صريحا في قوله تعالى

يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر

البقرة 178 الآية. الجواب عن السؤال الأول أن التحقيق الذي عليه الجمهور، ودلت عليه نصوص الشرع، أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، مما كان شرعا لمن قبلنا أنه يكون شرعا لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، لا من حيث إنه كان شرعا لمن قبلنا، لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر به، ونعمل بما تضمن.

والنصوص الدالة على هذا كثيرة جدا، ولأجل هذا امر الله في القرآن العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم، ووبخ من لم يعقل ذلك، كما في قوله تعالى في قوم لوط

وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون

الصافات 137-138. ففي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ لمن مر بديارهم، ولم يعتبر بما وقع لهم، ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله، وكقوله تعالى

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم

محمد 10، ثم هدد الكفار بمثل ذلك، فقال

وللكافرين أمثالها

محمد 10. وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها، أو ديارهم التي أهلكوا فيها

وما هي من الظالمين ببعيد

هود 83، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن. وقال تعالى

لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب

يوسف 111 فصرح بأنه يقص قصصهم في القرآن للعبرة، وهو دليل واضح لما ذكرنا، ولما ذكر الله تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبينا صلى الله عليه وسلم

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

الأنعام 90، وأمره صلى الله عليه وسلم أمر لنا، لأنه قدوتنا، ولأن الله تعالى يقول

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

الأحزاب 21 الآية، ويقول

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون

آل عمران 31 الآية، ويقول

ومآ آتاكم الرسول فخذوه

الحشر 7 الآية. ويقول

من يطع الرسول فقد أطاع الله

النساء 80، ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله، إلا ما قام فيه دليل على الخصوص به صلى الله عليه وسلم، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعا لنا، إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي رحمه الله في أصح الروايات عنه، فقال إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعا لنا إلا بنص من شرعنا على أنه مشروع لنا، وخالف أيضا في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا

المائدة 48 وللثاني بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعا، فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل منفصل، وحمل الهدى في قوله

فبهداهم اقتده

الأنعام 90، والدين في قوله

شرع لكم من الدين

الشورى 13 الآية على خصوص الأصول التي هي التوحيد دون الفروع العملية، لأنه تعالى قال في العقائد

ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون

الأنبياء 25، وقال

ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت

النحل 36، وقال

وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون

الزخرف 45. وقال في الفروع العملية

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا

المائدة 48، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول، واختلافهم في الفروع، كما قال صلى الله عليه وسلم

" إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد "

، أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له أما حمل الهدى في آية

فبهداهم اقتده

الأنعام 90 والدين في آية

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٧