قال بعض العلماء: المعنى فظلتم تعجبون من تحطيم زرعكم.
وقال بعض العلماء: تفكهون بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإنفاق عليه كقوله تعالى:
فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها
[الكهف: 42].
وقال بعض العلماء: تندمون على معصية الله التي كانت سببا لتحطيم زرعكم، والأول من الوجهين في سبب الندم هو الأظهر.
56.68-70
تضمنت هذه الآية الكريمة امتنانا عظيما على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه، والمعنى: أفرأيتم الماء الذين تشربون الذي لا غنى لكم عنه لحظة ولو أعدمناه لهلكتم جميعا في أقرب وقت: ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ﴾.
والجواب الذي لا جواب غيره هو أنت يا ربنا هو منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكرا لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: ﴿ فلولا تشكرون ﴾ جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى:
فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين
[الحجر: 22] وقوله تعالى:
هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون
[النحل: 10] وقوله تعالى:
وأنزلنا من السمآء مآء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا
[الفرقان: 48-49]. وقوله تعالى:
وأسقيناكم مآء فراتا
[المرسلات: 27] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: ﴿ لو نشآء جعلناه أجاجا ﴾ أي لو نشاء جعله أجاجا لفعلنا، ولكن جعلناه عذبا فراتا سائغا شرابه، وقد قدمنا في سورة الفرقان أن الماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى. لو شاء لجعل الماء غير صالح للشراب. جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى
قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين
[الملك: 30] وقوله تعالى:
وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون
[المؤمنون: 18] لأن الذهاب بالماء وجعله غورا لم يصل إليه وجعله أجاجا، كل ذلك في المعنى سواء بجامع عدم تأتي شرب الماء، وهذه الآيات المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ يدل على أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك، أن أصله كله نازل من المزن، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿ وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في الأرض ﴾ وقوله تعالى
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينابيع في الأرض
[الزمر: 21] وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى
فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين
[الحجر: 22] وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى
يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها
[سبأ: 2] الآية وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فلولا تشكرون ﴾ فلولا بمعنى هلا، وهي حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وحض والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم العظيم بحث وحض.
واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه ومن الرب لعبده.
فشكر العبد لربه، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى، فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا ما يرضي من خلقها، وهكذا في جميع الجوارح، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى هنا: ﴿ فلولا تشكرون ﴾ وقوله تعالى