56.41-43
قد قدمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى السموم في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى
فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم
[الطور: 27].
وقد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى
وندخلهم ظلا ظليلا
[النساء: 57] وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة في قوله هنا ﴿ وظل من يحموم لا بارد ولا كريم ﴾ وقوله في المرسلات
انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب
[المرسلات: 30-31].
وقوله: ﴿ من يحموم ﴾ أي من دخان أسود شديد السواد ووزن اليحموم يفعول، وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود لاحتراقه بالنار.
56.45-46
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله:
قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا
[الطور: 26-27] الآية.
56.47
لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بين بعض أسبابه، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة، لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى:
فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا
[الانشقاق: 11-13]، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة آنفا.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سببا لدخول النار، لأن قوله تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل من يحموم، بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما } الآية جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى
وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
[الرعد: 5].
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى:
وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا
[الفرقان: 11]، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله ﴿ أو آبآؤنا الأولون ﴾ وأنه تعالى بين لهم أنه يبعث الأولين والآخرين في قوله،
قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم
[الواقعة: 49-50] جاء موضحا في غير هذا الموضع، فبينا فيه أن البعث الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين، وذلك في قوله تعالى في الصافات
وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أو آبآؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون
[الصافات: 15-19]. وقوله: ﴿ أو آبآؤنا الأولون ﴾ ، قرأه عامة القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن نافع: ﴿ أو ءابآؤنا ﴾ بفتح الواو على الاستفهام والعطف، وقد قدمنا مرارا أن همزة الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء، وثم نحو ﴿ أو ءابآؤنا ﴾
أفأمن أهل القرى
[الأعراف: 97]
أثم إذا ما وقع
[يونس: 51]، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين الأول منهما أن أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظا لا معنى لأن الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله.
والمعنى على هذا واضح وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإنكار التي هي الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين، بأداة الإنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظا لا رتبة، وهذا القول هو قول الأقدمين من علماء العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغني اللبيب، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيرا بعد أن كنا نميل إلى غيره.