وما طبخ كالجص، والآجر ففيه أيضا خلاف عن المالكية، والمنع أشهر. واختلفوا أيضا في التيمم على الجدار، فقيل جائز مطلقا، وقيل ممنوع مطلقا، وقيل بجوازه للمريض دون غيره، وحديث أبي جهيم الآتي يدل على الجواز مطلقا. والظاهر أن محله فيما إذا كان ظاهر الجدار من أنواع الصعيد، ومشهور مذهب مالك جواز التيمم على المعادن غير الذهب، والفضة ما لم تنقل، وجوازه على الملح غير المصنوع، ومنعه بالأشجار، والعيدان ونحو ذلك وأجازه أحمد، والشافعي، والثوري على البلد، والوسائد. ونحو ذلك إذا كان عليه غبار. والتيمم في اللغة القصد، تيممت الشيء قصدته، وتيممت الصعيد تعمدته، وأنشد الخليل قول عامر بن مالك، ملاعب الألسنة
يممته الرمح شزرا ثم قلت له هذي البسالة لا لعب الزحاليق
ومنه قول امرئ القيس
تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامى
وقول أعشى باهلة
تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمة ذي شزن
وقول حميد بن ثور
سل الربع أني يممت أم طارق وهل عادة للربع أن يتكلما
والتيمم في الشرع القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين منه بنية استباحة الصلاة عند عدم الماء، أو العجز عن استعماله، وكون التيمم بمعنى القصد يدل على اشتراط النية في التيمم، وهو ا لحق. مسائل في أحكام التيمم المسألة الأولى لم يخالف أحد من جميع المسلمين في التيمم، عن الحدث الأصغر، وكذلك عن الحدث الأكبر، إلا ما روي عن عمر، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي من التابعين أنهم منعوه، عن الحدث الأكبر. ونقل النووي في شرح المهذب عن ابن الصباغ وغيره القول برجوع عمر، وعبد الله بن مسعود عن ذلك، واحتج لمن منع التيمم، عن الحدث الأكبر بأن آية النساء ليس فيها إباحته إلا لصاحب الحدث الأصغر. حيث قال
أو جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا
المائدة 6، الآية، ورد هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه الأول أنا لا نسلم عدم ذكر الجنابة في آية النساء، لأن قوله تعالى ﴿ أو لامستم النساء ﴾ ، فسره ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما، بأن المراد به الجماع، وإذا فذكر التيمم بعد الجماع المعبر عنه باللمس، أو الملامسة بحسب القراءتين، والمجيء من الغائط دليل على شمول التيمم لحالتي الحدث الأكبر، والأصغر. الثاني أنه تعالى في سورة المائدة، صرح بالجنابة غير معبر عنها بالملامسة، ثم ذكر بعدها التيمم، فدل على أن يكون عنها أيضا حيث قال
إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا
المائدة 6 ثم قال
فلم تجدوا مآء فتيمموا
المائدة 6، الآية. فهو عائد إلى المحدث، والجنب جميعا، كما هو ظاهر. الثالث تصريحه صلى الله عليه وسلم بذلك الثابت عنه في الصحيح فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، أنه قال أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال
" إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه، وكفيه ".
وأخرجا في صحيحيهما أيضا من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى بالناس. فإذا هو برجل معتزل، فقال
" ما منعك أن تصلي "
؟ قال أصابتني جنابة ولا ماء، قال
" عليك بالصعيد، فإنه يكفيك ".
والأحاديث في الباب كثيرة. المسألة الثانية اختلف العلماء، هل تكفي للتيمم ضربة واحدة أو لا؟ فقال جماعة تكفي ضربة واحدة للكفين والوجه، وممن ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وعطاء، ومكحول، والأوزاعي، وإسحاق، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره، وهو قول عامة أهل الحديث، ودليله حديث عمار المتفق عليه المتقدم آنفا. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا بد من ضربتين إحداهما للوجه، والأخرى للكفين، ومنهم من قال بوجوب الثانية، ومنهم من قال بسنيتهما كمالك، وذهب ابن المسيب، وابن شهاب، وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للذراعين. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر من جهة الدليل الاكتفاء بضربة واحدة. لأنه لم يصح من أحاديث الباب شيء مرفوعا، إلا حديث عمار المتقدم، وحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من نحو بئر جمل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام، أخرجه البخاري موصولا، ومسلم تعليقا، وليس في واحد منهما ما يدل على أنهما ضربتان كما رأيت، وقد دل حديث عمار أنها واحدة. المسألة الثالثة هل يلزم في التيمم مسح غير الكفين؟ اختلف العلماء في ذلك، فأوجب بعضهم المسح في التيمم إلى المرفقين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، وابن أبي سلمة، والليث، كلهم يرون بلوغ التيمم بالمرفقين فرضا واجبا، وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن نافع، وإليه ذهب إسماعيل القاضي. قال ابن نافع من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبدا، وقال مالك في المدونة يعيد في الوقت، وروي التيمم إلى المرفقين مرفوعا، عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبي أمامة، وعائشة وعمار، والأسلع، وسيأتي ما في أسانيد رواياتهم من المقال إن شاء الله تعالى، وبه كان يقول ابن عمر، وقال ابن شهاب يمسح في التيمم إلى الآباط. واحتج من قال بالتيمم إلى المرفقين بما روي عمن ذكرنا من ذكر المرفقين، وبأن ابن عمر كان يفعله، وبالقياس على الوضوء، وقد قال تعالى فيه ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ المائدة 6.