أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله، خص اللحم الطري منه في قوله
وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا
النحل 14، لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر. الثاني أن مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول. الثالث أن التربة فرد من أفراد الصعيد. وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصا له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
البقرة 238، أو ذكرا في نصيبن كحديث
" أيما إهاب دبغ فقد طهر "
عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي وغيرهم، مع حديث
" هلا انتفعتم بجلدها "
يعني شاة ميتة عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا يقتضي أن غيرهما من الصلوات في الأول، ومن الجلود في الثاني ليس كذلك، قال في مراقي السعود عاطفا على ما لا يخصص به العموم
وذكر ما وافقه من مفرد ومذهب الراوي على المعتمد
ولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام، إلا أبو ثور محتجا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص. وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام، والصعيد في اللغة وجه الأرض، كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابن الأعرابي، والزجاج. قال الزجاج لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة قال الله تعالى
وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا
الكهف 8 أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال تعالى
فتصبح صعيدا زلقا
الكهف 40، ومنه قول ذي الرمة
كأنه بالضحى ترمى الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم
وإنما سمي صعيدا، لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات على غير قياس، ومنه حديث
" إياكم والجلوس في الصعدات "
، قاله القرطبي وغيره عنه. واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب، فقالت طائفة " الطيب " ، هو الطاهر، فيجوز التيمم بوجه الأرض كله، ترابا كان أو رملا، أو حجارة، أو معدنا، أو سبخة، إذا كان ذلك طاهرا. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم. وقالت طائفة الطيب الحلال، فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب. وقال الشافعي، وأبو يوسف الصعيد الطيب التراب المنبت، بدليل قوله تعالى
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه
الأعراف 58 الآية. فإذا علمت هذا، فاعلم أن المسالة لها واسطة وطرفان طرف أجمع جميع المسلمين على جواز التيمم به، وهو التراب المنبت الطاهر الذي هو غير منقول، ولا مغصوب. وطرف أجمع جميع المسلمين على منع التيمم به، وهو الذهب والفضة الخالصان، والياقوت والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، والنجاسات وغير هذا هو الواسطة التي اختلف فيها العلماء، فمن ذلك المعادن. فبعضهم يجيز التيمم عليها كمالك، وبعضهم يمنعه كالشافعي ومن ذلك الحشيش، فقد روى ابن خويز منداد عن مالك أنه يجيز التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، ومشهور مذهب مالك المنع، ومن ذلك التيمم على الثلج، فروي عن مالك في المدونة، والمبسوط جوازه قيل مطلقا. وقيل عند عدم الصعيد، وفي غيرهما منعه. واختلف عنه في التيمم على العود، فالجمهور على المنع، وفي مختصر الوقار أنه جائز، وقيل يجوز في العود المتصل بالأرض دون المنفصل عنها، وذكر الثعلبي أن مالكا قال لو ضرب بيده على شجرة، ثم مسح بها أجزأه، قال وقال الأوزاعي، والثوري يجوز بالأرض، وكل ما عليها من الشجر والحجر، والمدر وغيرها حتى قالا لو ضرب بيده على الجمد، والثلج أجزاء. وذكر الثعلبي عن أبي حنيفة أنه يجيزه بالكحل، والزرنيخ، والنورة، والجص، والجوهر المسحوق، ويمنعه بسحالة الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، لأن ذلك ليس من جنس الأرض. وذكر النقاش عن ابن علية، وابن كيسان أنهما أجازاه بالمسك، والزعفران، وأبطل ابن عطية هذا القول، ومنعه إسحاق بن راهويه بالسباخ، وعن ابن عباس نحوه، وعنه فيمن أدركه التيمم، وهو في طين أنه يطلي به بعض جسده، فإذا جف تيمم به، قاله القرطبي. وأما التراب المنقول في طبق أو غيره، فالتيمم به جائز في مشهور مذهب مالك، وهو قول جمهور المالكية، ومذهب الشافعي، وأصحابه. وعن بعض المالكية، وجماعة من العلماء منعه.