تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إنما الأعمال بالنيات "

، وخالف أبو حنيفة قائلا إن طهارة الحدث لا تشترط فيها النية، كطهارة الخبث. واختلف العلماء أيضا في الغاية في قوله ﴿ إلى المرافق ﴾ ، هل هي داخلة فيجب غسل المرافق في الوضوء؟ - وهو مذهب الجمهور - أو خارجة فلا يجب غسل المرافق فيه؟ والحق اشتراط النية، ووجوب غسل المرافق، والعلم عند الله تعالى.

واختلف العلماء في مسح الرأس في الوضوء هل يجب تعميمه، فقال مالك وأحمد، وجماعة يجب تعميمه. ولا شك أن الأحوط في الخروج من عهدة التكليف بالمسح. وقال الشافعي، وأبو حنيفة لا يجب التعميم. واختلفوا في القدر المجزئ، فعن الشافعي أقل ما يطلق عليه اسم المسح كاف، وعن أبي حنيفة الربع، وعن بعضهم الثلث، وعن بعضهم الثلثان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة " ، وحمله المالكية على ما إذا خيف بنزعها ضرر، وظاهر الدليل الإطلاق. " وثبت

" عنه صلى الله عليه وسلم المسح على الناصية والعمامة "

ولا وجه للاستدلال به على الاكتفاء بالناصية، لأنه لم يرد أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بها، بل مسح معها على العمامة، فقد ثبت في مسح الرأس ثلاث حالات المسح على الرأس، والمسح على العمامة، والجمع بينهما بالمسح على الناصية، والعمامة. والظاهر من الدليل جواز الحالات الثلاث المذكورة، والعلم عند الله تعالى. وما قدمنا من حكاية الإجماع على عم الاكتفاء في المسح على الخف بالتيمم، مع أن فيه بعض خلاف كما يأتي، لأنه لضعفه عندنا كالعدم، ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية الكريمة خوف الإطالة. قوله تعالى ﴿ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ الآية. اعلم أن لفظة ﴿ من ﴾ في هذه الآية الكريمة محتملة، لأن تكون للتبعيض، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيب، فلا يتعين ماله غبار، وبالأول قال الشافعي، وأحمد، وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى جميعا. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير، وذلك في قوله تعالى ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ فقوله ﴿ من حرج ﴾ نكرة في سياق النفي زيدت قبلها ﴿ من ﴾ والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في العموم، كما تقرر في الأصول، قال في مراقي السعود عاطفا على صيغ العموم

وفي سياق المنفي منها يذكر إذا بنى أو زيد من منكر

فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون ﴿ من ﴾ لابتداء الغاية، لأن كثيرا من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة. ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل "

، وفي لفظ " فعنده مسجده وطهوره " الحديث. فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد. وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون ﴿ من ﴾ للتبعيض غير صحيح. فإن قيل ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد، دون غيره من أنواع الصعيد، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء "

، الحديث، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك، فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن كون الأمر مذكورا في معرض الامتنان، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في مراقي السعود في موانع اعتبار مفهوم المخالفة

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٦