47.25-28
الظاهر أن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، قوم كفروا بعد إيمانهم.
وقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم،فلما بعث وتحققوا أنه هو النبي الموصوف في كتبهم كفروا به.
وعلى هذا القول فارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به بعد أن عرفوه وتيقنوه، وعلى هذا فالهدى الذي تبين لهم هو صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ومعرفته بالعلامات الموجودة في كتبهم.
وعلى هذا القول فهذه الآية يوضحها قوله تعالى في سورة البقرة:
ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
[البقرة: 89] لأن قوله:
فلما جآءهم ما عرفوا
مبين معنى قوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ ، وقوله ﴿ كفروا به ﴾ مبين معنى قوله: ﴿ ارتدوا على أدبارهم ﴾.
وقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين.
وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سبب ارتداء هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم كما قال تعالى مشيرا إلى علة ذلك ﴿ الشيطان سول لهم ﴾ أي زين لهم الكفر والارتداد عن الدين، وأملى لهم أي مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر.
قال الزمخشري: سول سهل لهم ركوب العظائم من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا.
وأملى لهم ومد لهم في الآمال والأماني. انتهى.
وإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ومناهم بطول الأعمار.
لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي.
وفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان: قرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وأملى لهم بفتح الهمزة واللام بعدها ألف وهو فعل ماض مبني للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الشيطان.
وأصل الإملاء الإمهال والمد في الأجل، ومنه قوله تعالى:
وأملي لهم إن كيدي متين
[الأعراف: 183]، وقوله تعالى:
ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما
[آل عمران: 178] الآية.
ومعنى إملاء الشيطان لهم وعده إياهم بطول الأعمار، كما قال تعالى:
يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا
[النساء: 120].
وقال تعالى:
واستفزز من استطعت منهم بصوتك
[الإسراء: 64] إلى قولك
وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا
[الإسراء: 64].
وقال بعض العماء: ضمير الفاعل في قوله ﴿ وأملى لهم ﴾ على قراءة الجمهور راجع إلى الله تعالى.
والمعنى: الشيطان ﴿ سول لهم ﴾ أي سهل لهم الكفر والمعاصي، وزين ذلك وحسنه لهم، والله جل وعلا أملى لهم: أي أمهلهم إمهال استدراج.
وكون التسويل من الشيطان والإمهال من الله، قد تشهد لهم آيات من كتاب الله كقوله تعالى في تزيين الشيطان لهم
وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم
[الأنفال: 48] الآية. وقوله تعالى،
تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم
[النحل: 63]، وقوله تعالى:
وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم
[إبراهيم: 22] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وكقوله تعالى في إملاء الله لهم استدراجا:
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين
[الأعراف: 182-183]. وقوله تعالى:
ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين
[آل عمران: 178] وقوله تعالى:
قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا
[مريم: 75] وقوله تعالى
فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
[الأنعام: 44] وقوله تعالى: